د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أقتصاد

تأثير توقف TSMC على الاقتصاد العالمي وأسباب تعثره

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

لا تُعد TSMC شركة عادية أو كيانًا حكوميًا، لكنها تتحكم في مسار الاقتصاد العالمي عبر إنتاج أشباه الموصلات، التي تُشكل العمود الفقري للهواتف والسيارات وخوادم الذكاء الاصطناعي والأسلحة وأنظمة الاتصالات والأقمار الصناعية، حيث يلزم وجود مصانع قادرة على إنتاج هذه الرقائق بالمواصفات والوقت المطلوبين.

تمثل TSMC أكثر من مجرد مزود تكنولوجي، إذ يعتمد العالم بأسره على مصنعها الكائن في تايوان، التي تُعد من أكثر المناطق توترًا جيوسياسيًا، الأمر الذي يجعل الشركة محط اهتمام رؤساء دول مثل الولايات المتحدة والصين واليابان، كما بات أمن مصانعها جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي.

تسيطر TSMC على 73% من سوق التصنيع المستقل للرقائق عالميًا، وهي المصنع الرئيس الذي يطبق طفرة الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع من خلال إنتاج رقائق تعمل في خوادم شركات مثل NVIDIA، ويصعب استبدالها أو نسخها ببناء مصانع جديدة أو ضخ مليارات الدولارات، لأن شراء المعدات لا يعادل تراكم أربعة عقود من الخبرة والجودة وشبكة الموردين وثقة كبرى شركات التكنولوجيا في العالم.

السيطرة على 73% من سوق التصنيع المستقل

أفادت TSMC بأنها أنتجت في 2025 نحو 12682 نوعًا من المنتجات باستخدام 305 تقنيات مختلفة لخدمة 534 عميلًا، بينما تجاوزت طاقتها الإنتاجية السنوية 17 مليون رقاقة مكافئة 12 بوصة، ما يعكس حجم المنظومة الصناعية التي أنشأتها عبر عقود.

وكشفت أبحاث شركة كونتر بوينت ريسيرش المتخصصة، أن حصة TSMC من سوق المصانع المستقلة للرقائق بلغت 73% في الربع الثاني من 2026، مقابل 7% لسامسونج و5% لشركة SMIC الصينية، في ظل نمو سنوي بنسبة 29% لهذا السوق مدفوعًا بطلب رقائق الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يُحوّل المصنع إلى أصل استراتيجي

ذكرت شركة ستوك ريسيرش إيه آي أن الحوسبة عالية الأداء، التي تتضمن رقائق الذكاء الاصطناعي، أصبحت المحرك الرئيسي لإيرادات TSMC، حيث شكلت تقنيات 7 نانومتر وما دونها 77% من إيرادات الشركة في الربع الثاني من 2026.

وأوضحت شركة كودر إيه آي المتخصصة في تحليلات التكنولوجيا أن تفوق TSMC لا يقتصر على امتلاك معدات متطورة فحسب، بل يتعلق أيضًا بغرف تصنيع فائقة النظافة، وأنظمة دقيقة للمياه والطاقة والحرارة، آلاف خطوات التصنيع، شبكة مورّدين ضخمة، وسنوات من الخبرة التي تعزز الإنتاجية وتقلل العيوب، وهو ما يصعب تقليده بسرعة.

سامسونج تحاول تقليص الفجوة لكن المنافسة ليست تقنية فقط

تسعى سامسونج إلى تضييق الفجوة عبر تطوير تقنية 2 نانومتر وتحسين أجيال جديدة من البوابات المحيطة بالترانزستور، وتحسين استهلاك الطاقة وإدارة الحرارة، لكن بيانات كونتر بوينت ريسيرش تُظهر أن التحدي يتجاوز إثبات القدرة التقنية ليشمل تحقيق الإنتاج الواسع والمستقر، وتنوع العملاء، وسلسلة توريد متكاملة، حيث تمتلك سامسونج حصة 7% فقط مقارنة بـ 73% لـ TSMC.

الصين تسعى لكسر الاحتكار من اتجاه آخر

تمثل شركة SMIC الصينية ذراع الصناعة الوطنية لتقليص الاعتماد على الخارج، ووفقًا لتقارير دويتشه فيله، أظهر تفكيك هاتف Huawei Mate 60 Pro في 2023 استخدام معالج Kirin 9000s بتقنية 7 نانومتر، وهو تقدم مهم رغم القيود الأمريكية على معدات تصنيع الرقائق المتقدمة.

لكن الشبكة أشارت إلى أن القدرة على إنتاج رقاقة متقدمة لا تعني القدرة على إنتاجها بكميات كبيرة وبجودة عالية، وهو ما لا تزال الصين تواجه صعوبات فيه مقارنة بتجربة TSMC.

فيما تحاول شركة هواوي تجاوز القيود من خلال تطوير مفاهيم جديدة مثل “LogicFolding” و”Tau Scaling Law” التي تركز على تحسين حركة البيانات وكفاءة النظام وتكديس الدوائر بدلاً من الاعتماد فقط على تصغير حجم الترانزستورات، وتسعى الشركة للوصول بحلول 2031 إلى كثافة ترانزستورية تعادل مستوى 1.4 نانومتر، إلا أنها لم تقدم بيانات مستقلة تثبت أداء هذه التقنيات، كما تبقى قضايا التكلفة والطاقة والحرارة وتكامل الأنظمة تحديًا.

لماذا يستعصي على العالم استنساخ TSMC؟

تصف ستيوارد كابيتال TSMC بأنها “احتكار للتفوق” قائم على مزيج من التكنولوجيا والخبرة البشرية وحماية الملكية الفكرية والثقة، إضافة إلى التغليف المتقدم وشبكة الموردين، وهو ما يجعل استنساخ تجربتها أمرًا معقدًا.

وتؤكد كودر إيه آي أن بناء مصنع جديد لا يعيد إنتاج منظومة TSMC تلقائيًا، إذ يلزم توفر معدات متطورة، ومهندسين وخبراء، ومورّدين، ومياه وطاقة موثوقة، وخبرة تشغيلية، وعملاء متنوعين، وسنوات عديدة من تحسين الإنتاجية.

من مصنع تايواني إلى ورقة جيوسياسية

وسعت TSMC حضورها خارج تايوان عبر إنشاء مصانع في الولايات المتحدة واليابان، وبدأت إنشاء منشأة متخصصة في ألمانيا بهدف تنويع قواعد الإنتاج وتقليل مخاطر التركيز الجغرافي.

يرى موقع جورال جومروك المتخصص في التجارة والصناعة أن أهمية TSMC تجاوزت القطاع التكنولوجي، إذ أصبحت أشباه الموصلات عنصرًا محوريًا في الذكاء الاصطناعي والاتصالات والسيارات والدفاع والاقتصاد الرقمي، وهو ما يجعل القدرة على تصنيع ملايين الرقائق بسرعة وجودة وكفاءة وفي الوقت المناسب تحديًا تنافسيًا حاسمًا.

وما زالت TSMC تحتفظ بأفضلية صعبة المضاهاة لأنها بنت منظومة صناعية متكاملة على مدار أربعة عقود، فالعالم الرقمي يعتمد عليها بشكل يفوق حجم اسمها الهادئ.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin