أخبار العالم

اقتصاد كبار السن.. كيف يغير ارتفاع الأعمار خريطة الإنفاق العالمي؟

يشهد العالم تغيرًا ديموغرافيًا متسارعًا مع ارتفاع متوسط أعمار السكان وانخفاض معدلات الإنجاب، فمنذ عام 1960 زاد متوسط العمر المتوقع عالميًا بأكثر من 25 عامًا، ليرتفع من حوالي 48 عامًا إلى 74 عامًا، بينما انخفض متوسط عدد المواليد لكل امرأة من 4.7 إلى 2.2 مولود.

ومع استمرار هذه الاتجاهات، تتجه المجتمعات إلى أن تصبح أكثر تقدمًا في العمر، وهو ما ينعكس ليس فقط على سوق العمل وأنظمة التقاعد والرعاية الصحية، وإنما أيضًا على أنماط الاستهلاك وحجم الطلب على السلع والخدمات.

وبحسب بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي، ارتفع عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر من 196 مليون شخص في 1950، بما يعادل 8% من سكان العالم، إلى نحو 1.2 مليار شخص في 2025، أو 15% من سكان العالم.

ومن المتوقع أن يصل عدد كبار السن إلى 2.1 مليار شخص بحلول عام 2050، بما يعني أن أكثر من شخص من كل خمسة أشخاص حول العالم سيكون عمره 60 عامًا أو أكثر.

«اقتصاد الفضة».. سوق استهلاكية ضخمة

رغم أن زيادة أعداد كبار السن ترتبط عادةً بتحديات مثل نقص العمالة وارتفاع تكاليف الرعاية والضغط على أنظمة المعاشات، فإنها تفتح في الوقت نفسه بابًا أمام نمو قطاع اقتصادي واسع يعرف باسم «اقتصاد الفضة».

وتشير التقديرات إلى أن المستهلكين حول العالم سينفقون نحو 70 تريليون دولار خلال عام 2026، ويستحوذ الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر على نحو 19 تريليون دولار من هذا الإنفاق.

وبذلك تمثل هذه الفئة، التي تشكل حوالي 15% من سكان العالم، ما يقرب من 27% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي العالمي.

وتتوقع بيانات وورلد داتا لاب أن يرتفع إنفاق كبار السن إلى حوالي 34 تريليون دولار بحلول عام 2036، لتقترب حصتهم من ثلث الإنفاق الاستهلاكي العالمي.

ولا يتوقف «اقتصاد الفضة» عند المشتريات اليومية، بل يمتد إلى قطاعات متخصصة، من بينها مساكن ورعاية كبار السن، والرعاية الصحية، ومنتجات تعزيز طول العمر، والخدمات المالية المرتبطة بالتقاعد، إضافة إلى السياحة الموجهة لهذه الفئة.

ويقدر حجم هذه السوق المتخصصة حاليًا بنحو 4.5 تريليون دولار، مع نمو سنوي يقارب 7%، وهو معدل يفوق نمو الإنفاق الاستهلاكي العالمي الذي يبلغ نحو 3%.

آسيا والمحيط الهادئ الأسرع نموًا

تنتشر فرص «اقتصاد الفضة» في مختلف الأسواق، إلا أن معدلات النمو تختلف من منطقة إلى أخرى، وتتصدر أميركا الشمالية حاليًا من حيث قيمة إنفاق الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا، بقيادة الولايات المتحدة.

ومن المتوقع أن يرتفع إنفاق هذه الفئة في أميركا الشمالية من 7.4 تريليون دولار إلى 11.7 تريليون دولار بحلول عام 2036.

في المقابل، تسجل منطقة آسيا والمحيط الهادئ أسرع معدلات النمو، مع توقع ارتفاع إنفاق كبار السن من 4.9 تريليون دولار إلى 10.2 تريليون دولار خلال الفترة نفسها، أي أكثر من الضعف.

كما يتوقع أن يرتفع إنفاق كبار السن في أوروبا من 5.4 تريليون دولار إلى 8.6 تريليون دولار بحلول 2036.

وتقود اليابان وكوريا الجنوبية والصين وعدد من اقتصادات جنوب شرق آسيا هذا التوسع، مع زيادة الطلب على الخدمات المرتبطة بالصحة وطول العمر والسياحة المخصصة لكبار السن.

أما أفريقيا وأميركا اللاتينية، فعلى الرغم من انطلاقهما من مستويات أقل، فإنهما تشهدان نموًا ملحوظًا في إنفاق كبار السن، مع توقعات بتضاعف الإنفاق في أفريقيا بحلول عام 2036.

الولايات المتحدة تكشف شكل التحول

تعد الولايات المتحدة من أبرز النماذج التي توضح حجم التحول في القوة الشرائية لكبار السن، إذ يبلغ عدد الأميركيين الذين تتجاوز أعمارهم 60 عامًا نحو 86 مليون شخص، ويصل إنفاقهم السنوي إلى حوالي 6.7 تريليون دولار.

ولو اعتُبرت هذه الفئة دولة مستقلة، فإن حجم إنفاقها سيجعلها ثالث أكبر سوق استهلاكية في العالم بعد الولايات المتحدة والصين.

ويمثل إنفاق الأميركيين الأكبر سنًا حاليًا نحو 30% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى 33% بحلول عام 2036.

وتظهر البيانات تغيرًا واضحًا في أولويات الإنفاق مع التقدم في العمر، إذ يرتفع الإنفاق على الحماية الاجتماعية والمنتجات الطبية وخدمات المستشفيات والتأمين وامتلاك المنازل.

في المقابل، ينخفض الإنفاق على المطاعم والملابس والنقل وشراء السيارات، وهو ما يعكس تغير احتياجات وأولويات هذه الفئة، وليس بالضرورة تراجع قدرتها على الإنفاق.

كبار السن يزدادون ارتباطًا بالتكنولوجيا

لم يعد من الدقيق التعامل مع كبار السن باعتبارهم فئة بعيدة عن التكنولوجيا، فالمستهلكون الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا أصبحوا أكثر استخدامًا للأدوات الرقمية، كما أن جزءًا كبيرًا منهم يهتم بالصحة والاستقلالية وجودة الحياة.

وأظهر استطلاع نيلسن آي كيو أن 81% من الأميركيين الأكبر سنًا يتطلعون إلى التقدم في العمر بصورة أفضل من آبائهم، بينما يرى 51% منهم أن أعمارهم تبدو أصغر من أعمارهم الفعلية.

ويمتد هذا التفاعل إلى منصات التجارة الرقمية أيضًا، حيث يشكل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر نحو 34.5% من مشتري منتجات الصحة والجمال عبر «تيك توك شوب»، وهي نسبة تتجاوز حصة الفئة العمرية بين 35 و54 عامًا.

التكنولوجيا تخلق فرصًا استثمارية جديدة

مع زيادة اهتمام كبار السن بالصحة والاستقلالية، تتوسع السوق أمام المنتجات والخدمات التكنولوجية المصممة لتلبية احتياجاتهم.

ويميل المستهلك الأكبر سنًا إلى دفع مبالغ أعلى عندما تكون جودة المنتج وفائدته واضحتين، لكنه في الوقت نفسه يهتم بالقيمة الفعلية التي يحصل عليها، ولا يعتمد قراره الشرائي بالضرورة على قوة العلامة التجارية وحدها.

وتنمو قطاعات تكنولوجيا الشيخوخة بمعدلات تتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف متوسط نمو السوق، وتشمل هذه المجالات المنازل الذكية وأنظمة المساعدة على المعيشة، التي تسجل نموًا سنويًا يبلغ نحو 17%.

كما تنمو حلول مكافحة الاحتيال بمعدل 15% سنويًا، بينما تحقق الأجهزة القابلة للارتداء وأدوات مراقبة المؤشرات الصحية نموًا يقارب 14%.

وتسجل روبوتات رعاية كبار السن والمرافقون المدعومون بالذكاء الاصطناعي نموًا بنحو 12%، في مؤشر على تزايد استعداد هذه الفئة للاستفادة من التكنولوجيا التي تساعدها على الحفاظ على الاستقلالية ونمط حياة أكثر نشاطًا.

كيف يمكن للشركات الاستفادة من «اقتصاد الفضة»؟

الاستفادة من زيادة القوة الشرائية لكبار السن تتطلب من الشركات تغييرًا في طريقة تصميم منتجاتها وخدماتها، وليس مجرد إجراء تعديلات بسيطة على المنتجات الموجودة بالفعل.

ويتمثل أحد أهم الاتجاهات في الاعتماد على التصميم الشامل منذ بداية تطوير المنتج، بحيث يكون مناسبًا لشرائح عمرية مختلفة، بدلًا من تعديله لاحقًا ليستوعب احتياجات كبار السن.

كما أصبحت الصحة عنصرًا مؤثرًا في قرارات الشراء عبر قطاعات متعددة، ولم يعد الاهتمام بطول العمر والصحة مقتصرًا على الخدمات الطبية، بل امتد إلى الأغذية والسفر والخدمات المالية والتكنولوجيا.

وتحتاج الشركات كذلك إلى تغيير الصورة التي تقدم بها التقدم في العمر، والتركيز على مفاهيم مثل النشاط والاستقلالية والحيوية والمشاركة، بدلًا من ربط كبار السن بصورة نمطية تعتمد فقط على الحاجة إلى الرعاية.

كبار السن قوة اقتصادية متزايدة

تشير البيانات إلى أن الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا أصبحوا يمثلون شريحة ذات قوة شرائية كبيرة، كما أن ثقلهم الاقتصادي مرشح للزيادة مع استمرار ارتفاع متوسط الأعمار.

وبالنسبة للشركات، فإن هذا التحول يعني أن كبار السن لم يعودوا مجرد فئة مستهلكين متخصصة، بل أصبحوا جزءًا أساسيًا من مستقبل الطلب العالمي، خاصة مع امتلاكهم موارد مالية أكبر واهتمام متزايد بالصحة والتكنولوجيا وجودة الحياة. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق