دور رئيسي لستارلينك في الهجوم الأوكراني الذي يضغط على القوات الروسية للتراجع

تتقدم طائرة مسيّرة روسية عبر شاشة الكمبيوتر، ما يجعل القادة الذين يراقبون ساحة المعركة عبر بث مباشر داخل مخبئهم يتأهبون بسرعة، إذ يمسك أحدهم بسيجارة بيد وجهاز راديو باليد الأخرى، ويستدعي طائرة مسيّرة لاعتراضها ويحذر الجنود في الأسفل من الخطر القادم، بينما يسير هؤلاء المكشوفون عبر أرض مفتوحة على خط الجبهة، ويتم استبدالهم بعد ثلاثة أشهر قضوها في دفع القوات الروسية إلى التراجع.
يشكل ذلك جزءاً من عملية “فيفالدي” الأوكرانية المضادة، التي تقول كييف إنها تمكنت عبرها من تحرير مساحة قدرها 277 كيلومتراً مربعاً في منطقة دونباس الشرقية خلال الأشهر الأخيرة.
يركز اسم العملية على المراحل الأربع لهجوم نجح في إحباط محاولة تطويق روسية كانت تهدف إلى محاصرة مدن “حزام الحصون” الرئيسية التي لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية.
في حين تواصل روسيا هذا الشهر قصف أوكرانيا جوياً، مسبباً شللاً للبنية التحتية للطاقة ومصرع أعداد كبيرة من المدنيين في أنحاء البلاد، حققت أوكرانيا مكاسب ميدانية ملحوظة خلال الفترة الأخيرة.
وتشير كييف إلى أنها ألحقَت خسائر فادحة بالقوات الروسية، حيث بلغت الخسائر الروسية في عملية “فيفالدي” وحدها 8 آلاف ضحية، فيما قُدرت خسائرها بحوالي 50 ألفاً على طول خط الجبهة خلال سبتمبر/أيلول، بينما تكبد الجانب الأوكراني خسائر محدودة.
وأفاد معهد دراسات الحرب بأن مدونين عسكريين موالين لروسيا أقرّوا بالتقدم الأوكراني، معربين عن مخاوفهم من تراجعات روسية إضافية مستقبلاً، في حين لم تعترف السلطات الروسية علناً بأي مكاسب أوكرانية، واقتصرت إحاطات وزارة الدفاع الروسية على التأكيد بأنها كانت “تصد الهجمات” في منطقة ليمان أو “تحسن الوضع التكتيكي على الجبهة”.
ورغم التقدم الأوكراني، لا تزال الطائرات المسيّرة الروسية حاضرة بكثافة، ويقول فينيكس، قائد وحدة “سيلفر ترينيتي” التابعة لـ”لواء الانتقام”، إن رجاله يواجهون في المتوسط عشر طائرات مسيّرة يومياً.
ويشير فينيكس إلى استخدام مسيّرة أوكرانية لاعتراض طائرة روسية مخصصة للاستطلاع، حيث سقطت شبكة على المسيّرة الروسية وأسقطتها من السماء، مبيّناً أن تلك الطائرة كانت ستتبع الجنود بمسيّرة أخرى محملة بالمتفجرات لو نجحت في رصدهم.
تجسد هذه الأحداث تعقيدات ساحة المعركة الحديثة، إذ يستقبل مخبأ القيادة صوراً من كاميرا جوية مباشرة بينما تشن المسيّرات الهجومية الأوكرانية هجمات أرضية لتعطيل طائرات الاستطلاع المعادية التي يمكن أن تستدعي قصفاً مركزاً.
ويعمل ضمن هذه التكتيكات نظام “ستارشيلد”، النسخة العسكرية لشبكة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك” التي طورها إيلون ماسك، موفراً اتصالاً واسع النطاق عبر ساحة المعركة.
لكن أوكرانيا أعلنت هذا الأسبوع، مع ختام عملية فيفالدي، تعرض النظام لقيود فُرضت من دون سابق إنذار، مما قلل من فعاليته، فيما تشير تصريحات ماسك وتقارير إعلامية إلى أن القرار قد يكون صادرًا عن البيت الأبيض، مع العلم أن أوكرانيا لا تعتمد كلياً على “ستارشيلد”، إلا أنه أداة رئيسية في ترسانتها وحيوية للطائرات المسيّرة الاعتراضية والضاربة متوسطة المدى، وهو ما خلق قلقاً كبيراً جراء إمكانية تقييد استخدامه من دون سابق إنذار أو تنسيق.
وفي ظل المعارك الجوية، تتحرك مركبات أرضية غير مأهولة للقيام بمهام نقل الإمدادات وإجلاء الجرحى، مع دور متزايد في قيادة الهجمات ضد العدو، وتعتمد كل العمليات على الاتصال الرقمي للتمكين من الرؤية والتنقل والتواصل وإطلاق النار، بينما يظل الجنود المتمركزون في الخنادق هم المسيطرون على الأرض.
وقد عاد الجنود المرهقون بسلام إلى مركز القيادة بعد 95 يوماً من التقدم على خط الجبهة، حيث شهد لقاءً مؤثراً، وقال جندي المشاة الذي يحمل الاسم الحركي “ديلر” إنه يشعر بالقوة لكنه سعيد بالعودة إلى المنزل، معتبراً عملية فيفالدي تجربة مميزة لتغيير المواقع أربع مرات خلال أكثر من ثلاثة أشهر.
وأضاف أن ما كان يشكل تهديداً كبيراً هو المسيّرات الروسية التي تُقاد عن بُعد وتلاحق أهدافها باستمرار، في حين وصف القائد فينيكس الاستعدادات للهجوم بأنها “هائلة”، مؤكداً أن التدريب استغرق شهوراً مع إعادة هيكلة الاستراتيجية من دفاع إلى هجوم.
وقاد الهجوم الروبوتات والمسيّرات الأوكرانية، مع إسقاط مركبات متفجرة عن بُعد خلف الخطوط الروسية، واستسلام 250 جندياً روسياً، فيما تحقق الحملة على مدى عام تحرير نحو 16 بلدة وقرية من الاحتلال الروسي وفقاً للقادة الأوكرانيين.
في قرية كاربيفكا التي كانت تحت الاحتلال منذ أبريل/نيسان، وجد الأوكرانيون شخصاً مسناً واحداً هو فولوديمير زاموتا (61 عاماً) الذي بقي فيها وحيداً بعد فرار جيرانه، مؤكدًا أنه أمضى ثمانية أشهر في عزلة تامة، وأن القرية دُمّرت تقريباً بالكامل.
وقال زاموتا إنه لم يتصور أن يعيش مثل هذه الكارثة، معتبراًها “مأساة مروعة”، ما يعكس الطبيعة الخطرة للمنطقة التي استعادتها أوكرانيا، إذ تظل المخاطر مرتفعة ولا يستطيع السكان العودة حتى لو كانت منازلهم قائمة.
بينما يحتفل الجنود باستعادة الأراضي ووقف التقدم الروسي، يرى أندري هيت، رئيس أركان “لواء الانتقام”، أن القيمة الحقيقية للعملية تكمن في تأمين مواقع أفضل وخطوط أكثر ملاءمة تتيح رأس جسر يمنحهم وضعاً متقدماً على الأرض.
وأضاف هيت أن ذلك سيسمح لهم بتهيئة الظروف لعمليات ناجحة لاحقة، وانتزاع زمام المبادرة في المعركة، والتخطيط لمناورات مقبلة، معتبراً كل خطوة من هذه الخطوات حجر أساس في طريق النصر.
ولكن كل ما سبق يمكن أن يتعرض للتهديد بسبب القيود المفروضة على التكنولوجيا والاستخبارات المقدمة من الولايات المتحدة، في ظل تدهور العلاقات بين كييف وواشنطن إلى أدنى مستوياتها، حيث أشار الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي إلى شعوره بـ”الخيانة” من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وصفه بأنه ليس من المعجبين به، وزعم أن التعامل معه أكثر صعوبة من التعامل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وكان ترامب قد أشار إلى أن الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية أدت إلى ارتفاع أسعار النفط، بينما تشير أوكرانيا إلى أن الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران هي السبب.
رغم الانقسامات الدبلوماسية، تعززت معنويات الجنود الذين التقينا بهم، حيث أكد “ديلر” أن عملية فيفالدي جددت إيمانه بقدرة أوكرانيا على الفوز في الحرب.
وتحرص الوحدة العسكرية على توفير الرعاية لأحد السكان المحليين الذي بقي في كاربيفكا، فولوديمير، أو “الجد” كما يناديه الجنود، الذي يتلقى طعامه من الطرود التي تسقطها الطائرات المسيّرة لإيصال الإمدادات إلى القوات على الجبهة.
وعندما سُئل عن اعتقاده بانتصار أوكرانيا، أجاب بأنه يعتقد ذلك، متمنياً فقط معرفة موعد حدوثه ونهاية الحرب أخيراً.





