هجمات الحوثيين تطرح تساؤلات حول دعم مصر وتأثيرها على صورة السعودية الإقليمية

يرى تيموثي قلدس، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، أن هجمات الحوثيين تعبر عن “تحدٍ أوسع تواجهه السعودية ودول الخليج يتعلق بصورتها كدول مستقرة وآمنة”، وهي الصورة التي تأثرت بفعل الحرب مع إيران.
وفي مقابلة مع DW عربية، أشار قلدس إلى أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، “استثمرت بقوة في تطوير قطاعات السياحة وجذب الزوار والتي تعتمد بشكل رئيس على شعور السياح بالأمان”.
وأكد أن الهجوم على مطار الرياض وما ترتب عليه من سقوط قتلى وجرحى “قد يؤثر سلباً على قدرة المملكة في استقطاب السياح خلال الفترة المقبلة”.
تداعيات متشابكة
لم تقتصر تداعيات الهجمات على الجانب الأمني، بل امتدت لتشمل المجال الاقتصادي، إذ تسبب ذلك في غياب عدد من كبار مسؤولي شركات النفط عن مؤتمر البترول العالمي في الرياض، كما أتاح مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” خيار الحضور عن بُعد بسبب المخاوف الأمنية.
وأفادت مصادر لوكالة رويترز أن مؤسسات مالية عالمية، من بينها جيه بي مورغان ودويتشه بنك، سمحت لموظفيها في السعودية بالعمل عن بعد، بينما أغلقت شركة فرانكلين تمبلتون مكتبها في الرياض مؤقتًا، كما تم تأجيل قمة مقررة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في المملكة بسبب ظروف الطيران.
أوضح قلدس أن التأثيرات لا تقتصر على “الصورة الذهنية للسعودية فقط، بل تمتد إلى خططها الاقتصادية وجهودها في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط”.
اختبار لمشاريع السعودية المستقبلية
تتهم الرياض إيران بدعم الحوثيين وتسليحهم، في حين نقلت رويترز عن مسؤول إيراني رفيع أن الهجمات تأتي ضمن استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة من خلال استهداف بنية الطاقة وممرات الملاحة.
وأكدت مصادر لوكالة رويترز أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يواجه معضلة معقدة؛ إذ أن التصعيد العسكري يحمل مخاطر توسيع دائرة الحرب وتقويض الإصلاح الاقتصادي، في حين أن أي تنازل قد يُعتبر مكسبًا للحوثيين.
ومن جانبه، يرى سيمون فوكس، خبير شؤون الشرق الأوسط، أن السعودية تتبع نهجًا يطلق عليه “السعودية أولاً”، يهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للطيران والذكاء الاصطناعي والسياحة.
وقال الأستاذ في الجامعة العبرية بالقدس لـ DW إن هجمات الحوثيين تؤثر على هذه الطموحات وتقلص الإمكانيات المالية المتاحة لتحقيقها، ولكنه أشار إلى أن السعودية تظل لاعبًا دوليًا مهمًا كونها أكبر مصدر للنفط ولها ثقل اقتصادي وديني بوصفها راعية الحرمين الشريفين في مكة والمدينة.
رهان الرياض على حلفائها
وسط التصعيد، أعلنت فرنسا بدء تنفيذ عناصر عملية من اتفاق يهدف إلى تعزيز حماية المنشآت النفطية السعودية، في حين تتجه الأنظار نحو حجم الدعم الأمريكي.
وكشفت مصادر لرويترز الشهر الماضي أن ولي العهد السعودي طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المساعدة مع بداية الحملة الحوثية، لكن ترامب لم يوافق على توجيه ضربات أمريكية، واقتصر الدعم على تحديد الأهداف وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
تشير التطورات إلى رصد متزايد للدور الذي قد تلعبه الدول الموقعة على “اتفاق مكة” للدفاع المشترك الموقع بين السعودية وباكستان وتركيا في أغسطس الماضي.
في هذا السياق، قال قلدس إن الكثير من دول العالم “تتابع الخطوات التي ستتخذها دول اتفاق مكة لمعرفة مضمون الترتيب الدفاعي الجديد عمليًا”، مضيفًا أن الرياض تسعى على الأقل إلى الحصول على “دعم مادي يشمل معدات دفاعية وذخائر، إلى جانب دعم سياسي ورمزي يعزز مكانتها كشريك يحظى بمساندة إقليمية”.
ورغم ذلك، أشار قلدس إلى أن المشكلة الأساسية في اليمن لم تكن يومًا نقص المعدات، موضحًا أن العديد من الدول تتحفظ على المشاركة في حملات عسكرية جديدة بسبب الشكوك في فرص نجاحها، لا سيما مع الفشل النسبي للتدخلات العسكرية السابقة.
الدعم المصري.. أين حدوده؟
أثارت الهجمات الأخيرة تساؤلات حول طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمه مصر للسعودية، لا سيما بعد تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لوكالة بلومبرغ، التي أكد فيها استعداد القاهرة لتقديم مختلف أشكال الدعم والاستجابة لأي طلب سعودي.
وقال حسين بيومي، محلل اقتصادي وسياسي مستقل لمؤسسة الشرق الأوسط في بروكسل، إن مصر تلعب دورًا دبلوماسيًا مهمًا عبر اتصالاتها مع الأطراف الإقليمية، وتفضل التنسيق الأمني المشترك مع الشركاء الإقليميين بدلاً من التدخل المنفرد.
وأضاف في مقابلة مع DW عربية أن الدعم المصري المحتمل قد يشمل التعاون الاستخباراتي، وتعزيز الدفاعات الجوية، والمشاركة البحرية لحماية الملاحة، وربما تقديم دعم دفاعي حال تعرض الأراضي السعودية لتهديد مباشر.
مستنقع عسكري مكلف
تعتبر مصر مضيق باب المندب قضية استراتيجية، إذ يشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، التي توفر جزءًا كبيرًا من إيرادات البلاد، وكان عبد العاطي قد صرح بأن مصر من أكثر الدول تضررًا من اضطرابات الملاحة الناجمة عن الحرب، مع خسائر تقدر بنحو 11 مليار دولار.
ورغم احتمال تدخل مصر لحماية مضيق باب المندب إن لزم الأمر، أعرب قلدس عن شكوكه في أن القاهرة ستقدم قوات برية للمشاركة في القتال، متوقعًا أن يرتكز أي دعم مصري على نشر محدود لبعض الأصول العسكرية دون الانخراط في عمليات قتالية مباشرة.
وأشار قلدس إلى البعد التاريخي في موقف مصر، مستذكراً أن اليمن كانت في ستينيات القرن الماضي بالنسبة لمصر مثل فيتنام للولايات المتحدة؛ “مستنقعًا عسكريًا مكلفًا وغير ناجح، ولذلك، لا ترغب المؤسسة العسكرية المصرية في إعادة نشر قواتها هناك”.
ويتفق معه حسين بيومي، مستبعدًا إرسال قوات برية مصرية مقاتلة إلى اليمن نظرًا لطبيعة الصراع وقدرات الحوثيين وخطر الانزلاق في حرب استنزاف طويلة، إلى جانب غياب الدعم الشعبي المصري لمثل هذا التدخل.
ويرجح بيومي أن ترسم القاهرة خطًا فاصلاً بين الدفاع عن أمن السعودية والمشاركة الفعلية في حرب مفتوحة داخل اليمن، وهما موقفان مختلفان من وجهة نظر مصر.





