أخبار العالم

19.5 مليار دولار مع الصين و5.7 مليار مع روسيا.. أرقام شراكة مصر مع بريكس

يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة حاسمة من إعادة الهيكلة، حيث تتراجع الهيمنة الأحادية للأسواق الغربية التقليدية لصالح صعود تكتلات اقتصادية طموحة تسعى لإرساء توازن جديد في موازين القوى الدولية.

وفي صدارة هذه المشهد، يبرز تجمع بريكس (BRICS) كقوة عظمى صاعدة شهدت مؤخرًا أكبر توسع في تاريخها بعد انضمام دول جديدة رسميًا، وفي مقدمتها مصر؛ ليرتفع عدد أعضاء التكتل إلى 11 دولة تشمل قوى اقتصادية وبشرية هائلة.

ولا يمثل هذا التجمع مجرد تحالف سياسي، بل هو تكتل اقتصادي وصناعي ضخم يسيطر اليوم على قرابة 40 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويتفوق بوضوح على مجموعة السبع عند قياس الاقتصاد بتعادل القوة الشرائية بنحو 88 تريليون دولار، فضلًا عن استحواذه على أكثر من ربع حركة التجارة الدولية، مما يجعله المحرك الرئيسي المستقبلي للاستثمار العالمي، وبوابة صلبة لتبني سياسات اقتصادية بديلة تخدم مصالح الدول النامية والاقتصادات الصاعدة في مختلف القارات.

وفي هذا السياق، تكتسب المشاركة المصرية في تجمع بريكس خصوصية شديدة، حيث لم تكن مصر مجرد دولة تسعى للانضمام لتحالف اقتصادي عابر، بل شكلت منذ اللحظات الأولى لدخولها التكتل ركيزة استراتيجية وقيمة مضافة جيوسياسية ولوجستية لا غنى عنها للدول الأعضاء.

وتبرز هذه القيمة في امتلاك مصر لقناة السويس، الممر الملاحي الأهم عالميًا الذي يعبر من خلاله نحو 12% من حركة التجارة الدولية، مما منح التكتل تفوقًا لوجيستيًا هائلًا لتأمين سلاسل الإمداد نحو الأسواق الأفريقية والأوروبية، بالتوازي مع تحول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز جذب إقليمي للاستثمارات الصناعية الكبرى من أقطاب بريكس، مثل المنطقة الصناعية الروسية والمشروعات الصينية الضخمة في منطقة “تيدا”، وهو ما يعكس ثقة التكتل في البيئة الاستثمارية والتشريعية التي وفرتها الدولة المصرية كمنصة حيوية للانطلاق نحو القارة السمراء وبقية أسواق الشرق الأوسط.

ولم يتوقف الدور المصري عند الجانب اللوجستي والجغرافي فحسب، بل لعبت مصر دورًا فاعلًا ومبادرًا في صياغة النظام المالي البديل للتكتل منذ بدايات انخراطها فيه، مقدمة رؤى تعزز العمل المشترك. وقد تجلى ذلك بوضوح في انضمام مصر رسميًا إلى بنك التنمية الجديد (NDB) التابع للمجموعة والمشاركة في صياغة خططه التمويلية لدعم مشروعات البنية التحتية الخضراء، والطاقة المتجددة في دول الجنوب العالمي دون قيود أو شروط سياسية مجحفة قد تعيق التنمية المستدامة.

كما تبنت الإدارة المصرية استراتيجية طموحة داخل التكتل لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي لتجنب الهزات المالية، وقامت بالفعل بتفعيل اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف مع أقطاب التكتل مثل الصين وروسيا والهند، لتسوية المعاملات التجارية بالعملات الوطنية كاليوان والروبل والروبية، مما ساهم مباشرة في تخفيف الضغط على النقد الأجنبي محليًا وفتح آفاق تجارية جديدة تضمن مرونة الاقتصاد الوطني أمام التحديات الخارجية وتوفر سيولة إضافية لدعم قطاعات الإنتاج المحلية.

وانعكست العضوية المصرية سريعًا على لغة الأرقام والمؤشرات التجارية والإنتاجية، حيث أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية قفزات غير مسبوقة تؤكد عمق الشراكة، إذ قفز حجم التبادل التجاري المشترك بين مصر ودول التكتل ليصل إلى 53.5 مليار دولار.

وسجلت الصادرات المصرية لدول بريكس نموًا استثنائيًا بنسبة بلغت 45.7% لتصل قيمتها إلى 13.77 مليار دولار، مدفوعة بزيادة صادرات الكيماويات، الأسمدة، الحاصلات الزراعية، والملابس الجاهزة. وفي المقابل، استوردت مصر من دول التكتل ما قيمته 39.67 مليار دولار، تم التركيز فيها على السلع الاستراتيجية ومستلزمات الإنتاج مثل القمح والحبوب من روسيا، والمعدات الآلية والتكنولوجية من الصين والهند.

وتتصدر الصين قائمة الشركاء التجاريين لمصر داخل التكتل بحجم تبادل بلغ 19.5 مليار دولار، تليها البرازيل بـ 5.83 مليار دولار، ثم روسيا بحجم تبادل سجل 5.7 مليار دولار، إلى جانب الهند التي تمثل شريكاً استراتيجيًا في مجالات تكنولوجيا المعلومات والأدوية، مما يشكل شبكة متكاملة من المصالح المشتركة والتبادل المستدام.

ويركز الدور المصري في بريكس بشكل أساسي على قطاع الصناعة والتحول التكنولوجي ونقل المعرفة، حيث تسعى مصر لاستغلال قدرات التكتل الصناعية العملاقة لخدمة رؤيتها الوطنية في توطين الصناعة المحلية وتقليل الفاتورة الاستيرادية.

وتشهد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس شراكات متقدمة مع شركات صينية وهندية لإنشاء مصانع السيارات الكهربائية وإنتاج البطاريات المتطورة، بالإضافة إلى تحول مصر لمركز رئيسي لاستثمارات دول بريكس في مجال الطاقة النظيفة، بفضل المقومات الطبيعية والتشريعية والبيئية التي تمتلكها، حيث يتم تنفيذ مشروعات ضخمة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية بتمويلات مشتركة.

ويمتد هذا التعاون الوثيق إلى قطاع الأدوية والمستلزمات الطبية حيث يجري العمل على نقل التكنولوجيا الحيوية الحديثة وصناعة المواد الخام للأدوية لضمان الأمن الدوائي الإقليمي، وتقديم رعاية صحية أفضل للمواطنين بالاعتماد على قدرات تصنيعية ذاتية مدعومة بخبرات دولية متميزة في التكتل.

وتتطابق هذه الرؤية الاستراتيجية الشاملة لمصر مع الأهداف العليا والسامية التي أنشئ من أجلها تجمع بريكس منذ قمة تأسيسه الأولى، والتي تتلخص في تأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب ينهي الانفراد الغربي بصناعة القرار السياسي والاقتصادي العالمي ويحقق العدالة الدولية، وإصلاح الهيكل المالي الدولي عبر توفير بدائل تمويلية عادلة وميسرة للدول النامية.

فضلًا عن تأمين الأمن الغذائي وأمن الطاقة من خلال بناء شبكة أمان راسخة ومتطورة بين الدول المنتجة للمواد الخام والدول المستهلكة والصناعية، وهو ما تستفيد منه مصر بشكل مباشر وفوري لتأمين احتياجاتها الأساسية من السلع الاستراتيجية وبناء مخزون آمن يعزز من استقرارها الداخلي ويحميها من تقلبات الأسعار والاضطرابات الجيوسياسية في سلاسل التوريد العالمية المتأثرة بالأزمات المستمرة.

ولم يكن انضمام مصر لتجمع بريكس مجرد حدث عابر أو تحرك دبلوماسي تقليدي، بل نقطة تحول استراتيجية حقيقية نجحت مصر من خلالها منذ اللحظات الأولى في إثبات أنها لاعب إقليمي ودولي لا غنى عنه في رسم مستقبل النظام الدولي.

فمن خلال موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين قارات العالم، وقدراتها الدبلوماسية التاريخية، وسوقها الاستهلاكي الضخم والمتنامي، تمكنت مصر من صياغة دور قيادي يعزز من مكانة التكتل وتأثيره في أفريقيا والشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته، يفتح أمام الاقتصاد والصناعة المصرية آفاقًا رحبة ونوافذ جديدة نحو النمو، والابتكار، والتحرر من القيود المالية والائتمانية التقليدية، صياغةً لمستقبل واعد وأكثر توازنًا وازدهارًا للاقتصاد العالمي ككل، وتحقيقًا للتنمية المستدامة والرفاهية التي تسعى إليها شعوب دول التكتل الطامحة للعدالة والنمو المشترك والتكامل الاقتصادي الحقيقي المبني على الاحترام المتبادل والمنافع المشتركة لجميع أطرافه. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق