أخبار العالم
84.5 مليون دولار في 9 مشروعات.. «السخنة» توسع خريطة الصناعة المصرية

لم يعد الموقع الاستراتيجي لقناة السويس مجرد ميزة جغرافية تمنح مصر موقعًا متقدمًا على خريطة التجارة العالمية، وإنما تتسع الاستفادة منه تدريجيًا؛ ليصبح قاعدة متكاملة للإنتاج والصناعة والخدمات اللوجستية، تربط ما يتم تصنيعه في مصر بالأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.
وتكشف جولة رئيس مجلس الوزراء بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال الاسبوع، وافتتاح 9 مشروعات صناعية جديدة بالمنطقة الصناعية المتكاملة بالسخنة، جانبًا مهمًا من هذا التحول، الذي لم يعد يقاس فقط بحجم الاستثمارات التي تدخل إلى المنطقة، وإنما بطبيعة الصناعات التي يتم جذبها، ومدى ارتباطها ببعضها، وقدرتها على تعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل.
فالمشروعات التسعة التي تم افتتاحها باستثمارات تبلغ نحو 84.5 مليون دولار وتوفر قرابة الـ 2000 فرصة عمل، تقدم في مجموعها صورة مصغرة عن الاتجاه الذي تتحرك فيه المنطقة الاقتصادية، من خلال تنوع الأنشطة الصناعية التي تضمها، وتمتد من الغزل والنسيج والخيوط ومواد البناء والتشطيبات والأثاث، إلى الصناعات الهندسية والكهربائية، والكيماويات والأسمدة والتعدين، فضلًا عن الصناعات والمعدات الطبية.
ولا تكمن أهمية هذه المشروعات في دخول تسعة مصانع أو مشروعات جديدة إلى دائرة الإنتاج فحسب، وإنما في أنها تعكس تحولًا تدريجيًا في مفهوم الاستثمار الصناعي، من مجرد إقامة مصنع ينتج سلعة محددة إلى بناء حلقات متصلة داخل سلاسل الإنتاج.
فوجود صناعة تنتج مدخلات تستخدمها صناعة أخرى، إلى جانب صناعات مغذية ومكملة ومنتجات نهائية موجهة للسوق المحلية أو للتصدير، يعني أن القيمة المضافة لا تتوقف عند حدود المشروع نفسه، وإنما تمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة به.
ويظهر ذلك في مشروع إنتاج خيوط البوليستر، الذي تبلغ استثماراته 10 ملايين دولار، وتصل طاقته الإنتاجية إلى نحو 65.5 ألف طن سنويًا، بما يوفر مدخلًا مهمًا لصناعة الغزل والنسيج.
كما يأتي مشروع إنتاج مستلزمات الأبواب والنوافذ، باستثمارات مماثلة؛ ليضيف طاقة إنتاجية تصل إلى 100 مليون متر سنويًا، في نموذج للصناعات المتخصصة التي توفر احتياجات لصناعات أخرى، وتساعد على توسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
وفي قطاع الأسمدة والكيماويات، تبلغ الاستثمارات الحالية بأحد المشروعات 10 ملايين دولار، بطاقة إنتاجية تصل إلى 100 ألف طن سنويًا، مع خطط للتوسع باستثمارات إضافية تبلغ 45 مليون دولار، وهو ما يعكس أن جذب الاستثمار لا يرتبط فقط بإقامة المشروع، وإنما بإتاحة البيئة التي تسمح له بالتوسع وزيادة طاقته الإنتاجية مع نمو الطلب والأسواق.
ويمتد الأمر إلى مشروع إنتاج كربونات الكالسيوم، الذي تبلغ استثماراته 5 ملايين دولار، بطاقة إنتاجية تصل إلى 120 ألف طن سنويًا، ويوفر مدخلات لصناعات متعددة، من البلاستيك والدهانات إلى مواد البناء.
وهنا تظهر إحدى أهم المحاور المرتبطة بتعميق التصنيع المحلي، وهي بناء شبكة من الصناعات المغذية التي تقلل الاعتماد على استيراد المواد والمكونات الوسيطة، وتتيح الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد.
وفي الوقت ذاته، تشهد المنطقة توسعًا في صناعات مواد البناء والتشطيبات، من خلال مشروعات لإنتاج ألواح الجبس وبلاطات الأسقف الديكورية، إلى جانب تصنيع الأبواب الخشبية وأبواب الـWPC ومنتجات التشطيبات وملحقات الأرضيات وتكسية الحوائط. ولا تستهدف هذه الصناعات السوق المحلية فقط، وإنما تفتح أيضًا مجالًا للتصدير، وهو ما يجعل المصنع جزءًا من منظومة أوسع تتجاوز حدود السوق المصرية.
ويظهر البعد التصديري كذلك في مشروع إنتاج العشب الصناعي، الذي تصل طاقته إلى نحو 3 ملايين متر مربع سنويًا، مع استهداف الأسواق الخارجية وإعادة تدوير العشب الصناعي.. ويعكس هذا النوع من المشروعات تحولًا آخر في طبيعة الاستثمارات التي يتم جذبها، بحيث يجتمع الإنتاج مع القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، إلى جانب الاهتمام بكفاءة استخدام الموارد والاستدامة.
أما قطاع الصناعات الطبية والهندسية، فيقدم نموذجًا مختلفًا لأهمية التوسع الصناعي داخل المنطقة، من خلال مشروع لإنتاج وتجهيز سيارات الإسعاف والوحدات الطبية المتنقلة وبنوك الدم، إلى جانب مصنع لإنتاج وتجميع كراسي الأسنان والمعدات الطبية.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية خاصة لكونها تتصل بمنتجات ومعدات تحتاج إلى مستويات مرتفعة من الجودة والتخصص، فضلًا عن كون توطين إنتاجها يفتح المجال أمام تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة وبناء خبرات محلية في صناعات أكثر تقدمًا.
وتكمل صناعة الإضاءة والمكونات الهندسية الصورة، من خلال التوسع في إنتاج وحدات الإضاءة واللوحات الإلكترونية ومكونات الألومنيوم والدهانات المعدنية وتشكيل المعادن.
فكلما اتسع نطاق هذه الصناعات، زادت قدرة السوق المصرية على توفير احتياجاتها من المنتجات والمكونات محليًا، وأصبح من الممكن تطوير منتجات موجهة إلى الأسواق الخارجية، بدلًا من أن يقتصر دور الصناعة على تلبية الطلب الداخلي.
وإذا كانت هذه المشروعات تمثل جانبًا من الصورة، فإن الأرقام الإجمالية للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تكشف حجم التحول بصورة أوضح.
فالمنطقة تضم حاليًا 212 مصنعًا عاملًا، يعمل بها عشرات الآلاف من المصريين، فيما شهدت السنوات الأربع الماضية إقامة وتشغيل نحو 140 مصنعًا جديدًا، إلى جانب 176 مصنعًا تحت الإنشاء، بما يقرب إجمالي عدد المصانع من 400 مصنع خلال الفترة المقبلة.
وتعكس هذه الأرقام انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة، ففي البداية كان التركيز على إنشاء البنية الأساسية وتجهيز الأراضي وربط المناطق الصناعية بالموانئ والطرق والخدمات، أما اليوم فأصبح التحدي الرئيسي هو تحويل هذه المقومات إلى نشاط إنتاجي مستدام، وجذب استثمارات ذات قيمة مضافة، وضمان قدرة المشروعات على التشغيل والتوسع والتصدير.
وتظهر أهمية الموقع الجغرافي لقناة السويس بصورة مختلفة؛ فالموقع وحده لا يصنع مركزًا صناعيًا، وإنما تتحول الميزة الجغرافية إلى قوة اقتصادية عندما ترتبط بالمصانع والموانئ والطرق والخدمات اللوجستية والعمالة المدربة والأسواق.. وعندما يستطيع المصنع أن يحصل على احتياجاته، وينقل إنتاجه، ويصل إلى الموانئ والأسواق في إطار منظومة واحدة، تصبح المنطقة أكثر من مجرد موقع لإقامة المشروع، وتتحول إلى منصة متكاملة للإنتاج والتصدير.
والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تعمل على تحويل الموقع الاستراتيجي إلى قيمة اقتصادية مضافة، من خلال الجمع بين الصناعة والخدمات اللوجستية والموانئ، بما يتيح للمستثمر الوصول إلى السوق المصرية من ناحية، والاستفادة من موقع مصر كبوابة للأسواق الإقليمية والعالمية من ناحية أخرى.
وتتزايد أهمية هذا المسار مع ارتفاع نسب المكون المحلي في عدد من المشروعات إلى مستويات تصل في بعض الحالات إلى 95%، إلى جانب توجيه نسبة كبيرة من إنتاج بعض المصانع إلى التصدير، فزيادة المكون المحلي لا تعني فقط تقليل فاتورة الاستيراد، وإنما تعني أيضًا خلق طلب على صناعات أخرى داخل مصر، وزيادة فرص العمل، وتوسيع قاعدة الموردين المحليين، ورفع القيمة المضافة للمنتج المصري.
وفي المقابل، فإن زيادة التصدير تمنح المشروعات قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق الخارجية وتوليد موارد بالنقد الأجنبي، بما يجعل الاستثمار الصناعي جزءًا من معالجة أوسع للتحديات الاقتصادية، وليس مجرد وسيلة لزيادة الإنتاج المحلي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع الاهتمام بتوفير العمالة التي تحتاجها الصناعات الجديدة، إذ إن التحول نحو صناعات أكثر تخصصًا وتكنولوجيا لا يمكن أن يعتمد على التوسع في المنشآت وحده، وإنما يحتاج إلى عمالة فنية مدربة ومهارات هندسية قادرة على التعامل مع خطوط الإنتاج والتكنولوجيا الحديثة.
ومن ثم، فإن تطوير التعليم الفني والتدريب ورفع كفاءة العاملين يصبح جزءًا أصيلًا من عملية التصنيع، لأن المصنع لا يستطيع الاستمرار والتوسع دون العنصر البشري القادر على تشغيله وتطويره.
كما أن اتساع النشاط الصناعي يفرض استمرار الاستثمار في البنية الأساسية والخدمات اللازمة للمناطق الصناعية، من الكهرباء والمياه إلى الخدمات اللوجستية وتحلية المياه وغيرها من الاحتياجات التي تتزايد مع دخول مصانع جديدة إلى الخدمة وارتفاع الطاقة الإنتاجية للمصانع القائمة.
وفي هذا السياق، فإن افتتاح 9 مشروعات صناعية جديدة لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثًا منفصلًا عن المسار العام للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وإنما كحلقة جديدة في سلسلة تتسع تدريجيًا.
فهناك مصانع بدأت الإنتاج، ومشروعات تتوسع، وأخرى تحت الإنشاء، واستثمارات تتجه إلى صناعات متنوعة، ونسب متزايدة من المكون المحلي والتصدير، بما يعكس انتقال المنطقة من مرحلة تأسيس البنية الأساسية إلى مرحلة تعظيم العائد الاقتصادي منها.
والأهم أن هذا المسار يعيد تعريف مفهوم جذب الاستثمار نفسه، فالمنافسة لم تعد فقط على جذب رأس المال، وإنما على جذب الاستثمار الذي يضيف إلى الاقتصاد، ويوفر فرص العمل، وينقل المعرفة والتكنولوجيا، ويخلق روابط مع الموردين المحليين، ويزيد الصادرات، ويمتلك القدرة على التوسع.. وكلما تحققت هذه العناصر معًا، أصبح الاستثمار أكثر تأثيرًا في الاقتصاد وأكثر قدرة على الاستمرار.
وبذلك، فإن المشهد الذي تعكسه المنطقة الاقتصادية لقناة السويس اليوم يتجاوز أرقام الاستثمارات وعدد المصانع الجديدة إلى صورة أوسع لتحول تدريجي في الخريطة الصناعية المصرية؛ فالموقع الاستراتيجي يتحول إلى منصة للإنتاج والخدمات اللوجستية، والمناطق الصناعية تتحول إلى تجمعات إنتاجية، والمصانع ترتبط تدريجيًا بسلاسل قيمة محلية وعالمية، والاستثمار يتحول من مجرد تدفقات مالية إلى طاقات إنتاجية وفرص عمل وصادرات.




