أخبار العالم
أزمة القدرة على السكن تتفاقم بأمريكا.. وأسعار المنازل تسجل مستويات قياسية وسط رهانات على قانون جديد

السوق العقاري الأمريكي
يواجه السوق العقاري الأمريكي أزمة متفاقمة في القدرة على تحمل تكاليف السكن، مما يجعل امتلاك منزل أمرًا بعيد المنال بالنسبة للعديد من المستهلكين، وقد واصلت أسعار المنازل المتوسطة ارتفاعها للشهور الـ36 الماضية على التوالي، لتسجل مستوى قياسيًا بلغ 440600 دولار خلال يوليو الماضي، محققة زيادة سنوية بنسبة 1.8% وفقًا للجمعية الوطنية للوسطاء العقاريين (NAR).
ونتيجة لهذه الضغوط، أقر الكونجرس، مؤخرًا، قانون “الطريق إلى الإسكان في القرن الحادي والعشرين” في شهر يوليو الماضي، وهو تشريع حظي بدعم الحزبين ويهدف إلى خفض تكاليف السكن وزيادة المعروض منه، مما يفتح الباب واسعًا أمام التساؤلات حول مدى قدرته على خفض الأسعار وسط التحديات الاقتصادية والهيكلية المعقدة.
ضغوط السوق العقاري الأمريكي
بحسب تقرير “جي بي مورجان”، لا تزال القدرة على تحمل التكاليف تعاني من ضغوط بالغة، إذ تبلغ نسبة تكلفة شراء منزل إلى الدخل نحو 35%، متجاوزة المعايير التاريخية المعتادة.
وأشار التقرير إلى أن شراء منزل يعد أرخص من استئجاره في نحو 2% فقط من المناطق الإحصائية الحضرية، وترجع هذه الأسعار المرتفعة بشكل ملحوظ إلى نقص مزمن في المساكن بأسعار معقولة، متتبعًا جذوره لأكثر من عقد من الركود في قطاع البناء أعقب الأزمة المالية لعام 2008، وقد اصطدم المقاولون بمعوقات عديدة شملت قوانين تقسيم المناطق، وقيود استخدام الأراضي، وارتفاع تكاليف العمالة.
وعلى الرغم من تحسن وتيرة البناء، مؤخرًا، في بعض مناطق الساحل الغربي وحزام الشمس، لا يزال المعروض الإجمالي من المساكن محدودًا بشكل عام.
توقعات أسعار العقارات في أمريكا
يُفاقم أزمة المعروض الحالي ما يُعرف بـ”تأثير التثبيت”، حيث يتردد أصحاب المنازل ممن استفادوا من قروض عقارية منخفضة الفائدة خلال فترة الجائحة في بيع عقاراتهم لعدم قدرتهم على نقل تلك المزايا إلى منازل جديدة، ومع استقرار أسعار الفائدة على الرهن العقاري عند حوالي 6.6%، أصبحت تكلفة الانتقال باهظة بالنسبة للكثيرين، وفقًا للتقرير.
وأوضح بينيت باريش، الخبير الاقتصادي الأمريكي في “جي بي مورجان”، أن تأثير التثبيت قد تراجع إلى حد ما، لكنه لا يزال يُبقي العديد من البائعين المحتملين على الحياد، مما يُقلل المعروض ويضغط على الأسعار نحو الارتفاع.
وأظهرت البيانات تراجع قوائم المنازل القائمة بنسبة 1.3% فقط في يونيو مقارنة بالعام السابق، بانخفاض عن 1.9% في مايو.
وتوقع التقرير أن تظل أسعار المنازل وفقًا لمؤشر ستاندرد آند بورز، ثابتة خلال عام 2026، على أن ترتفع بنسبة 3% في عام 2027.
تراجع المبيعات وحساسية الطلب
في السياق ذاته، ألقت المخاوف المستمرة بشأن التكلفة بظلالها الواضحة على الطلب، حيث تراجعت مبيعات المنازل القائمة بنسبة 2.4% في يونيو الماضي لتصل إلى معدل سنوي معدل موسميًا قدره 4.09 مليون وحدة، مسجلة انخفاضًا إجماليًا بنسبة 4.2% خلال النصف الأول من عام 2026.
وأرجعت الجمعية الوطنية للوسطاء العقاريين، هذا الضعف في السوق إلى ارتفاع أسعار الفائدة على الرهن العقاري، مؤكدة أن المشترين ما زالوا شديدي الحساسية لتقلبات تكاليف الاقتراض.
أسعار الفائدة الأمريكية
بينما تُرجح الأبحاث أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي على سياسته النقدية دون تغيير، قد تظل أسعار الفائدة على الرهن العقاري مرتفعة، لا سيما في ظل تجدد التوترات في الشرق الأوسط التي قد تعيد إحياء المخاوف من التضخم.
ووفقًا لريتشارد شين، رئيس قسم أبحاث التمويل الاستهلاكي في بنك جي بي مورجان، فإنه على الرغم من أن عدد المشترين المحتملين لا يزال كبيرًا، إلا أن تحديات القدرة على تحمل التكاليف وتقلبات أسعار الفائدة قد تعيق نمو عمليات التمويل، مما أدى إلى انخفاض توقعات القطاع تبعاً لذلك.
قانون “الطريق إلى الإسكان”
ولمعالجة هذه التحديات، تم توقيع قانون “الطريق إلى الإسكان في القرن الحادي والعشرين” ليصبح قانونًا نافذًا في 11 يوليو بدعم واسع من الحزبين، مما يجعله أهم تشريع فيدرالي للإسكان منذ عقود.
ويتضمن التشريع أكثر من 40 بندًا تستهدف تعزيز توافر المساكن بأسعار معقولة، أبرزها حظر شراء المستثمرين المؤسسيين الكبار لمنازل عائلية منفردة، مع وجود استثناءات محددة كالعقارات المبنية بغرض التأجير.
كما يتيح القانون للحكومات على مستوى الولايات والمحليات والقبائل تبسيط المراجعات البيئية لمشاريع الإسكان، ويوسع التعريف القانوني للمنازل الجاهزة بإلغاء شرط وجود هيكل فولاذي دائم، وهو ما يُعد عاملاً أساسيًا في خفض التكلفة والحد من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بهذا النوع من المساكن، وفقًا لأنتوني باولون، الرئيس المشارك لأبحاث أسهم العقارات الأمريكية في البنك.
كما يحفز القانون البلديات على زيادة المعروض من خلال منح مالية وتوجيهات لإصلاح تقسيم المناطق.
من جهتهم، يرى الخبراء أن تأثيره الفعلي لا يزال يكتنفه الغموض، خاصة أنه لن يُسن رسميًا إلا في 7 يناير 2027، ويبقى نجاحه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالتنفيذ الفعال لإصلاحاته التنظيمية على أرض الواقع.
وتظل توقعات بنك جي بي مورجان، حاليًا، ثابتة، والمتمثلة في استقرار أسعار المنازل خلال عام 2026 قبل أن تعاود الارتفاع في عام 2027، مع بقاء أزمة القدرة على تحمل التكاليف التحدي الأكبر والمصدر الرئيسي للقلق في المستقبل المنظور.




