مرض فرنسي يثير قلق الأوساط الاقتصادية في مصر

تُعد فرنسا ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو بعد ألمانيا، وهي الدولة الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي التي تمتلك أسلحة نووية، إلى جانب عضويتها في مجلس الأمن الدولي، كما كانت تاريخياً القوة المحركة لمشروع التكامل الأوروبي منذ خمسينيات القرن الماضي، ولهذا فإن أي هزة اقتصادية تصيب فرنسا لا تظل محصورة فيها بل تنتقل تأثيراتها إلى نطاق أوسع في أوروبا.
اليوم يبدو اقتصاد فرنسا وكأنه يعاني من داء مزمن، إذ هي على حافة كارثة مالية متوقعة، تتحرك نحوها ببطء كما لو كانت غير مدركة، وقد وصف تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط عن الأزمة الفرنسية القاضية بالانتقال من الإنفاق السخي إلى تفاقم الدين بأنها بمثابة قطار يتجه نحو الكارثة، وذلك على لسان خبير اقتصادي أمريكي.
تظهر الأزمة الفرنسية عبر احتجاجات واسعة يقودها طلاب المدارس الثانوية رفضاً لأوضاع التعليم المتدهورة وتجاهل الحكومة لهذا القطاع، وهذه الاحتجاجات التي تجتاح أرجاء البلاد تعبّر عن أزمة أعمق تتعلق بفساد التوازن المالي، حيث يتجاوز الإنفاق الحكومي الإمكانيات المالية المتاحة ويتم تغطية العجز بالاستدانة التي تتزايد بدورها، وعندما ترتفع تكلفة الديون ويقفز العائد على السندات الحكومية كما حدث مؤخراً، تواجه الحكومة مأزقاً اقتصادياً حاداً.
يعيش الفرنسيون ضمن نظام رفاه اجتماعي يعد من الأكثر سخاءً في أوروبا، مع تعليم مجاني ورعاية صحية شاملة ومزايا اجتماعية متعددة، بالإضافة إلى سن تقاعد منخفض يبلغ 62 عاماً ما يثقل كاهل الميزانية العامة بكلفة بمليارات اليورو، وقد أثار الرئيس إيمانويل ماكرون جدلاً واسعاً عندما حاول رفع سن التقاعد إلى 64 عاماً عام 2019، ما أدى إلى احتجاجات شعبية شديدة.
لفترات طويلة تجاوزت فرنسا حدود إمكانياتها المالية، مخلفة عجزاً في الموازنة وديناً عاماً بلغ 4 تريليونات دولار، ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالرغم من وجود ديون ضخمة للمقارنة مثل الولايات المتحدة، إلا أن الاقتصاد الأمريكي يتمتع بمرونة عالية وقدرة على طباعة العملة، وهي ميزات لا تتوفر لفرنسا أو أي دولة أوروبية أخرى.
منذ توليه السلطة قبل نحو عشر سنوات، تعهد ماكرون بإجراء إصلاحات جذرية لتعديل هذا الوضع، فقام بإلغاء ضريبة الثروة وتخفيض ضرائب الشركات وإصلاح قوانين العمل لتعزيز المرونة السوقية، كان الهدف الرئيسي تعزيز النمو والاعتماد على المشروعات الخاصة للحد من الإنفاق الحكومي، غير أن الإصلاحات الاقتصادية تحمل في طياتها تحديات سياسية كبيرة تستلزم قبول شعبي للصعوبات وزعزعة شعبية القادة.
واجه ماكرون اختباراً صعباً خلال أزمات كورونا والحرب في أوكرانيا، حيث لجأ مجدداً إلى زيادة الإنفاق العام لدعم الشركات الصغيرة والموظفين وتعويض ارتفاع أسعار الطاقة، وكان من المفترض أن تكون هذه التدابير مؤقتة، لكنها تحولت إلى حقوق مكتسبة يصعب التراجع عنها سياسياً، مما أعاد فرنسا تدريجياً إلى نمط الإنفاق المفرط الذي يحارب فجوات الأزمات ولكن بأساليب نمطية يعاني منها النظام السياسي والثقافة السياسية الفرنسية، حيث يبدو أن الطبقة السياسية بأكملها تفضل المكاسب السياسية الآنية على التضحية بالمستقبل.
ويبدو ذلك جلياً في برنامج أبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في الربيع المقبل، مثل مارين لوبين التي تدافع عن الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية وسن التقاعد عند 62 عاماً رغم عدم استدامته، وجان لوك ميلونشون الذي يطرح مقترح إلغاء ديون فرنسا بشكل جذري، وهو تحالف يحمل تبعات اقتصادية خيالية.
يرصد المحللون إمكانية مواجهة فرنسا لأزمة ديون شبيهة بتلك التي عرفتها اليونان في 2009 ولكن بتداعيات أعظم نظراً لحجم الاقتصاد الفرنسي وموقعه داخل الاتحاد الأوروبي، فالانهيار المالي لليونان أدى إلى حملة دعم من ألمانيا رغم معارضة شعبها، في حين أن سقوط فرنسا قد يصعب تصوره أن تنقذها دول أوروبية أخرى خاصة مع استمرار الإنفاق الحكومي الضخم والمطالب المجتمعية المحافظة، مما يعني أن أزمة فرنسا قد تهز الأسس الاقتصادية والسياسية للمشروع الأوروبي بأكمله.
وليس بإمكان دولة الرفاه أن تكون مبرراً لغياب المسؤولية القيادية ورضوخها للمطالب الشعبية على حساب المستقبل، وماكرون رغم محاولاته للإصلاح، يظل في أعين الفرنسيين رئيس الأغنياء وقد يسلم السلطة قريباً لأول حكومة يمينية متطرفة منذ الحرب العالمية الثانية.
ويبقى التمويل المرتفع للإنفاق الاجتماعي عبر الاستدانة من المستقبل خطة محدودة الزمن، إذ إن الإيرادات والنمو الاقتصادي لا بد أن تواجه يوماً ما تكلفة هذه السياسات، فـالمال لا ينمو على الأشجار حتى في اقتصاد كبير كالفرنسي.





