د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أقتصاد

الذكاء الاصطناعي يساهم في زيادة إنتاجية قطاع البرمجيات والأسواق تبدأ بالاستجابة

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

يُطبق على الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم ما قاله الاقتصادي روبرت سولو عام 1987 بشأن عصر الكمبيوتر: “يمكن رؤية أثره في كل مكان باستثناء إحصاءات الإنتاجية”؛ فقد أسهمت ثورة تكنولوجيا المعلومات في تعزيز كفاءة العاملين حول العالم، خاصة مع ظهور الإنترنت الذي أحدث نماذج أعمال جديدة كلياً، ولكن أثر هذه التحولات جاء متدرجاً وبعد سنوات من الاستثمارات، مما صعّب قياسه في البداية.

ويتكرر هذا المشهد حالياً مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، فخلال أقل من أربع سنوات من إطلاق أول نموذج لغوي كبير، بات الاستثمار السنوي في هذه التكنولوجيا يقترب من تريليون دولار، لكن السؤال المطروح يكمن في مدى استفادة الشركات فعلياً من موظفيها بفضل هذه التكنولوجيا، وما إذا ترجمت تلك الفوائد إلى مكاسب اقتصادية واسعة النطاق.

مكاسب الإنتاجية في هندسة البرمجيات

سعى بحث حديث أجراه أليكس بلومنفلد من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجوناثان هازل من كلية لندن للاقتصاد، إلى تحديد أثر الذكاء الاصطناعي في مجال هندسة البرمجيات الذي يعد من أبرز المجالات التي يتجلى فيها تأثير هذه التكنولوجيا بوضوح.

فعلى سبيل المثال، إذا كان لدى منصتين للتجارة الإلكترونية، وأحدهما قام بتصميم تطبيق يتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي مثل “كلود” أو “تشات جي بي تي” التسوق بسهولة مشابهة للبشر، فمن المتوقع أن تبدأ تلك الشركة في توظيف المزيد من مهندسي البرمجيات المتمرسين في استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز المشاريع بسرعة أكبر.

ويملك سوق الأسهم تصوراً واضحاً عن الشركات التي تحقق استفادة أكبر من الذكاء الاصطناعي، إذ يعكس المستثمرون مكاسب الإنتاجية المتوقعة في أسعار أسهم الشركات القادرة على تحقيق تلك العوائد.

وقارن الباحثون بين عوائد أسهم الشركات ومؤشر للذكاء الاصطناعي بعد استبعاد تأثير عوامل أخرى، ودرسوا العلاقة بين العوائد الأعلى أو الأدنى من المتوقع والإنفاق على أجور المبرمجين، ليخلصوا إلى أن الذكاء الاصطناعي رفع تقديرات السوق لقيمة إنتاجية مهندسي البرمجيات بنسبة دائمة بلغت 32.6%، وذلك بين نوفمبر 2022 وديسمبر 2025.

اختبار مكاسب الإنتاجية في آسيا

درس البحث مجموعة متنوعة من الشركات، بدءاً من منصات التجارة الإلكترونية مثل “إي باي” (eBay)، وشركات تصنيع الإلكترونيات مثل “سونوس” (Sonos)، إلى منصات السفر مثل “إكسبيديا غروب” (Expedia Group) و”إير بي إن بي” (Airbnb)، والتي تعتمد على هندسة البرمجيات كعنصر أساسي دون أن تكون البرمجيات هي المنتج النهائي.

وبهدف عزل تأثير الذكاء الاصطناعي، استبعدت الدراسة شركات البرمجيات وسلاسل توريد أشباه الموصلات، بينما أجريت تجربة أولية لتقييم مدى تأثر أسهم شركات آسيوية كبرى مثل “سوني غروب” (Sony Group)، و”كوبانغ” (Coupang)، و”غراب هولدينغز” (Grab Holdings) المدرجة في الولايات المتحدة، بتحركات مؤشر “روبو غلوبال للذكاء الاصطناعي” (ROBO Global Artificial Intelligence Index)، مقارنة بمدى اعتماد كل منها على هندسة البرمجيات.

ونظراً لعدم توفر بيانات أجور الموظفين، استخدمت نسبة الوظائف الشاغرة المرتبطة بالبرمجيات على صفحات التوظيف كمؤشر بديل لقياس الاعتماد على هذا المجال، ما يوفر لمحة أولية تشير إلى أن التأثير بدأ يظهر، مع ملاحظة أن تحليل مكاسب الإنتاجية بدقة أكبر يتطلب عينة أوسع.

فشركة “كوبانغ” مثلاً تمثل النظير الكوري الجنوبي لشركة “أمازون دوت كوم”، بينما تعتبر “غراب” تطبيقًا شاملاً في جنوب شرق آسيا، لكن تحليل “سوني” مكّن من الكشف عن تحديات في التصنيف الوظيفي، حيث قد يكون الاعتماد على هندسة البرمجيات أكبر من التقدير الأولي.

مكاسب الإنتاجية والاحصاءات الرسمية

هذه الفجوات في القياس قد تفسر لماذا ما زلنا نقلل من حجم مكاسب الإنتاجية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، إذ قد تظهر هذه المكاسب في وظائف وأقسام داخل الشركات قليلة المتابعة ومتى تبين أثرها تكون الشركات قد طورت بالفعل طرق عملها بشكل ملحوظ.

وهذا ما يؤكد عليه اختبار بلومنفلد الذي يوضح أن هندسة البرمجيات تمثل المجال الأول الذي تظهر فيه مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.

في الصين، تواجه شركات عملاقة مثل “علي بابا غروب” (Alibaba Group) صعوبة في رصد مكاسب الإنتاجية، بسبب تأثير قيود الولايات المتحدة على تصدير أشباه الموصلات، والمنافسة في الحوسبة السحابية مع شركات مثل “دوين” (Douyin) التابعة لـ”بايت دانس” (ByteDance)، مما يعقد ارتباط تحركات الأسهم بمؤشر الذكاء الاصطناعي، لكنه لا ينفي وجود هذه المكاسب.

يذكر أن مارك أندريسن، الشريك المؤسس لشركة رأس المال المغامر “أندريسن هورويتز” (Andreessen Horowitz)، سبق وأن أكد عام 2011 أن “البرمجيات تلتهم العالم”، وهو الأمر الذي تجلى في استحواذ الشركات التكنولوجية وتلك المرتبطة بهذا القطاع على نحو 95% من القيمة السوقية لأكبر 10 شركات عالمياً.

واليوم يمر مجال البرمجيات بثورة جديدة، فحينما كان البشر يكتبون كل أسطر التعليمات البرمجية، صار بإمكان وكلاء الذكاء الاصطناعي كتابة نحو 90% منها، مما يمكن المهندسين من تحقيق إنتاجية تصل إلى عشرة أضعاف ما كان ممكناً سابقاً وفق أندريسن.

وعلى الرغم من تأخر ظهور ذلك في الإحصاءات الرسمية، إلا أن تحركات أسعار الأسهم وإعلانات الوظائف تشير إلى أن زيادة الإنتاجية بدأت بالفعل، مما يعكس أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في تعزيز إنتاجية البرمجيات بشكل ملموس.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin