أخبار العالم
سويسرا تتنافس على جذب أثرياء العالم.. من يدفع ضرائب أقل؟

في الوقت الذي تتنافس فيه الدول الأوروبية على استقطاب أثرياء العالم والشركات ورؤوس الأموال، تتمتع سويسرا بميزة مختلفة.
وأمضت سويسرا عقودًا في إدارة هذا السباق داخل حدودها، من خلال منافسة شرسة بين كانتوناتها الـ26 (أقاليمها) على جذب الشركات والمقيمين الأثرياء وما يترتب على ذلك من إيرادات ضريبية.
وقالت صحيفة «فايننشال تايمز» إن الحكومات الأوروبية تواجه معضلة متزايدة بشأن حجم الضرائب التي يمكن فرضها على الشركات والأفراد الأثرياء ذوي القدرة العالية على التنقل، من دون دفعهم إلى الانتقال، وكذلك حجم الحوافز التي يمكن تقديمها لجذبهم.
لكن سويسرا تطبق منذ عقود نموذجًا مختلفًا، إذ تتنافس كانتوناتها على استقطاب الشركات والأثرياء، وفي حالات الخلاف حول مكان الإقامة الفعلي لأحد الأفراد، قد يصل الأمر إلى المحاكم لتحديد الكانتون الذي يحق له تحصيل الضرائب.
وانخرط السياسيون أيضًا في هذا السباق؛ إذ يرى هاينز تأنلر، مدير المالية في كانتون تسوج منخفض الضرائب، أن المدن التي تديرها أحزاب يسارية، مثل زيوريخ، تسهم في دفع دافعي الضرائب إلى مغادرة مناطقها، ووصفها بأنها من «أكثر المروجين الاقتصاديين فائدة» لكانتون تسوج، بحسب «فايننشال تايمز».
انتقال «فونتوبل» يشعل المنافسة
وتتمثل أحدث التحولات البارزة في انتقال بنك «فونتوبل» الخاص، الذي يعود تاريخه إلى 102 عام، إذ أعلن الشهر الماضي نقل مقره الرئيسي وأكثر من 1500 موظف من زيوريخ إلى مجمع جديد في منطقة بار بكانتون تسوج اعتبارًا من عام 2030، مع بقاء نحو 300 موظف يتعاملون مباشرة مع العملاء في وسط زيوريخ.
ويمثل القرار خسارة لزيوريخ، مع انتقال مقر رئيسي بارز ووظائف وإيرادات ضريبية عبر حدود الكانتون، كما أعاد إشعال النقاش بشأن مدى قدرة أكبر مدينة في سويسرا على منافسة جيرانها ذوي الضرائب المنخفضة.
ويمنح النظام الفيدرالي شديد اللامركزية في سويسرا الكانتونات صلاحيات واسعة في تحديد الضرائب، بينما تحدد البلديات بدورها معدلاتها الخاصة، ما ينتج عنه شكل من المنافسة الضريبية الدولية، ولكن داخل دولة يبلغ عدد سكانها نحو 9 ملايين نسمة.
هذا العام، انتزع كانتون لوسيرن بفارق ضئيل صدارة أقل الكانتونات السويسرية من حيث العبء الضريبي على الشركات من كانتون تسوج، بمعدل بلغ 11.66% مقابل 11.71% في تسوج، مقارنة بنحو 19% في زيوريخ و14% في جنيف.
وتتسع الفجوة أكثر بالنسبة إلى الأفراد الأثرياء؛ إذ يبلغ الحد الأقصى لمعدل ضريبة الدخل الشخصي نحو 22% في تسوج، مقابل أكثر من 40% في جنيف. كما أصبحت شفيتس، المجاورة لزيوريخ، وجهة مفضلة للمقيمين الأثرياء بفضل بعض أدنى معدلات الضرائب الشخصية في البلاد.
شركات أخرى تنقل مقارها إلى تسوج
وأكملت مجموعة «إس جي إس» المتخصصة في الاختبارات والتفتيش، والتي كان مقرها الرئيسي لفترة طويلة في جنيف، انتقالها هذا العام إلى منطقة بار في كانتون تسوج.
وقالت الشركة إن «القيمة المضافة»، أو الفوائد المالية، الناتجة عن الانتقال إلى تسوج، بما في ذلك الحوافز، كانت ضعف الفوائد التي كان يمكن تحقيقها من الانتقال إلى مكتب آخر داخل جنيف.
وتحاول جنيف بدورها تعزيز قدرتها التنافسية. ففي عام 2019، وافق الناخبون على إصلاح شامل لضريبة الشركات أدى إلى خفض معدلاتها بصورة كبيرة، كما أيدوا في عام 2024 خفض ضريبة الدخل الشخصي.
وتسعى جنيف حاليًا إلى جذب شركات جديدة، إذ تجري «ميلينيوم مانيجمنت»، إحدى أكبر شركات صناديق التحوط في العالم، محادثات مع الكانتون بشأن اتفاق ضريبي، في إطار دراسة توسيع حضورها هناك.
«فونتوبل»: الضرائب لم تكن سبب الانتقال
ورغم ذلك، يؤكد بنك «فونتوبل» أن الضرائب لم تكن العامل الرئيسي وراء قراره الانتقال من زيوريخ، موضحًا أنه كان بحاجة إلى مساحة تجمع موظفيه الموزعين على سبعة مبانٍ في المدينة.
ووفرت منطقة بار مجمعًا حديثًا، وشبكة نقل جيدة، ومساحة تسمح بالتوسع مستقبلًا.
كما رفض دانييل ليوبي، مسؤول المالية في زيوريخ، الحديث عن نزوح جماعي للشركات من الكانتون، مشيرًا في مقال نشرته صحيفة «نويه تسورشر تسايتونغ» إلى أن شركة واحدة فقط من بين أكبر 50 شركة تدفع ضرائب الشركات في المدينة انتقلت إلى كانتون ذي ضرائب أقل خلال العقد الماضي.
زيوريخ أمام حدود خفض الضرائب
لكن قدرة زيوريخ على منافسة تسوج في مجال الضرائب تبدو محدودة، إذ يقدر ليوبي أن خفض معدل ضريبة أرباح الشركات في زيوريخ من 7% إلى 6% سيكلف المدينة نحو 150 مليون فرنك سويسري، أي ما يعادل نحو 183 مليون دولار.
ولتعويض هذه الإيرادات، ستحتاج زيوريخ إلى جذب شركات توظف نحو 75 ألف شخص، وهو ما يرى ليوبي أن المدينة لا تملك المساحة الكافية لاستيعابهم ببساطة.
وهنا تبرز إحدى خصائص النموذج السويسري؛ فانتقال شركة من زيوريخ إلى تسوج يمثل خسارة لزيوريخ، لكنه لا يعني بالضرورة خسارة للاقتصاد السويسري ككل، إذ لا تبعد منطقة بار سوى أكثر قليلًا من 20 دقيقة بالقطار عن زيوريخ.
وبذلك تستطيع الشركات ودافعو الضرائب الانتقال بين الحدود الضريبية للكانتونات مع بقائهم داخل المنطقة الاقتصادية نفسها، بل وداخل الدولة ذاتها.
وترى «فايننشال تايمز» أن سويسرا، بدلًا من تركيز المنافسة على جذب أثرياء العالم من الخارج فقط، جعلت كانتوناتها تتنافس فيما بينها لتحقيق الهدف ذاته.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول تنفيذي سويسري في إحدى جمعيات قطاع الصناعة والتجارة قوله: «من الجيد أن تحاول أن تكون أفضل من جيرانك، فهذه هي الطريقة التي يعمل بها نظامنا الفيدرالي».




