أخبار العالم
الإنتاج والتصدير بدلًا من التمويل.. «معيط» يحدد 4 حلول لإنقاذ الاقتصاد المصري من أزماته

الدكتور محمد معيط
قدم الدكتور محمد معيط، وزير المالية الأسبق والمدير التنفيذي للمجموعة العربية في صندوق النقد الدولي، تصورًا من 4 محاور للتعامل مع التحديات التي يواجهها الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التركيز على الإنتاج والتصدير والاستثمار الخاص بدلًا من الاعتماد المتزايد على التمويل.
ويرى معيط أن القطاع الخاص يجب أن يقود الجزء الأكبر من النشاط الاستثماري والإنتاجي، بالتوازي مع تقليل وجود الدولة المباشر في الأنشطة التي يستطيع القطاع الخاص القيام بها بكفاءة، وجاءت هذه الرؤية خلال حوار مع الكاتب الصحفي مجدي الجلاد في بودكاست “أسئلة حرجة”.
4 محاور للخروج من الضغوط الاقتصادية
تتمثل رؤية «معيط» في الانتقال بالاقتصاد المصري إلى مرحلة جديدة تعتمد على 4 محاور رئيسية، وهي:-
1- تمكين القطاع الخاص ومنحه دورًا أكبر في الاستثمار والإنتاج.
2- تحويل البنية الأساسية إلى إنتاج فعلي من خلال إنشاء المصانع والمشروعات التي تدعم الصادرات وتقلل الاعتماد على الواردات.
3- تنويع مصادر التمويل وإدارة الدين بكفاءة للحد من مخاطر إعادة التمويل وتقليل تكلفة الاقتراض.
4- السيطرة على التضخم ومعالجة العوامل التي ترفع تكاليف الإنتاج، خاصة الطاقة وسلاسل الإمداد.
وبحسب معيط، فإن نجاح هذه المسارات يمكن أن يساعد مصر على الانتقال تدريجيًا من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على التمويل إلى اقتصاد قادر على توليد موارده من الإنتاج والتصدير والاستثمار.
البنية الأساسية كانت ضرورية.. لكن المرحلة المقبلة للإنتاج
دافع معيط عن توجه الدولة نحو تنفيذ مشروعات البنية الأساسية خلال السنوات الماضية، موضحًا أن إقامة قاعدة صناعية واستثمارية قوية تحتاج في البداية إلى توفير الخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن المستثمر لا يستطيع إنشاء مصنع أو مشروع إنتاجي من دون توافر الكهرباء والطرق والمياه والغاز وشبكات النقل والموانئ وغيرها من عناصر البنية التحتية.
وأوضح أن جزءًا كبيرًا من الاقتراض خلال السنوات الماضية تم توجيهه إلى مشروعات في الكهرباء والطرق والكباري والصرف الصحي والموانئ، بهدف تجهيز البيئة التي تسمح للقطاع الخاص بالتوسع في النشاط الإنتاجي.
ويرى معيط أن التحدي الآن يتمثل في الانتقال من مرحلة بناء البنية الأساسية إلى استغلال هذه الاستثمارات في زيادة الإنتاج والصادرات.
هل الاقتراض هو المشكلة؟
يرى وزير المالية الأسبق أن الاقتراض في حد ذاته لا يمثل مشكلة، طالما يتم توجيه الأموال إلى مشروعات تساعد الاقتصاد على النمو وتوفر موارد يمكن استخدامها في سداد الالتزامات.
وأوضح أن القضية الأكثر أهمية تتعلق بـتكلفة الدين وخدمة الفوائد، وليس فقط بحجم أصل الدين.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة محليًا وعالميًا، زادت تكلفة خدمة الدين، وهو ما يضغط على موارد الموازنة ويجعل تحسين إدارة الدين أحد الملفات الرئيسية أمام السياسة المالية.
الدين تراجع من 158% إلى مستويات تقترب من 80%
استعرض معيط تطور نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في مصر، مشيرًا إلى أنها وصلت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي إلى حوالي 158%.
وأوضح أن النسبة تراجعت لاحقًا إلى مستويات تقترب من 80% حاليًا، مع وجود مستهدف للوصول بها إلى نحو 78%.
وأكد أن تقييم حجم الدين يجب أن يأخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية التي مرت بها مصر، خاصة الصدمات الخارجية المتتالية التي تعرض لها الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة.
كورونا وحرب أوكرانيا زادا الضغوط على الاقتصاد
وأشار معيط إلى أن الاقتصاد المصري واجه خلال السنوات الماضية مجموعة من الأزمات المتتالية، بداية من جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية وأزمة الملاحة في البحر الأحمر.
وأدت هذه الأزمات إلى ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية عالميًا بنسب تراوحت في بعض الفترات بين 70% و80%، ما انعكس على تكلفة الواردات والاحتياجات التمويلية لمصر.
كما تراجعت إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما زاد الضغط على مصادر النقد الأجنبي في وقت ارتفعت فيه فاتورة الاستيراد.
تحسن الاقتصاد لا يكفي إذا لم يشعر المواطن به
وشدد معيط على أهمية انعكاس التحسن الاقتصادي على حياة المواطنين، مشيرًا إلى أن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية لا يعني بالضرورة أن المواطن يشعر بهذا التحسن بنفس السرعة.
وأكد أن من حق المواطن أن يلمس تحسنًا في مستوى المعيشة وارتفاعًا في قدرته على شراء احتياجاته.
ويرتبط ذلك بشكل كبير بمسار التضخم، الذي تأثر بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد وأسعار السلع المستوردة، وهو ما انعكس في النهاية على تكلفة الإنتاج والأسعار التي يدفعها المستهلك.
تحسن في مصادر النقد الأجنبي
وفيما يتعلق بالنقد الأجنبي، أشار معيط إلى وجود تحسن في تدفقات العملة الأجنبية إلى الاقتصاد المصري، مدفوعًا بعدة مصادر رئيسية.
وتشمل هذه المصادر إيرادات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج والصادرات، وهي موارد يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في توفير احتياجات الاقتصاد من النقد الأجنبي.
ويرى معيط أن استمرار نمو هذه التدفقات سيساعد على تقليل الضغوط التمويلية وتحسين قدرة الاقتصاد على الوفاء باحتياجاته من العملات الأجنبية.
لماذا لجأت مصر إلى صندوق النقد الدولي؟
وأوضح معيط أن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لم يكن مرتبطًا بالحصول على التمويل فقط، وإنما كان يستهدف أيضًا التعامل مع الفجوات التمويلية الطارئة، إلى جانب إعطاء المستثمرين والمؤسسات الدولية إشارات بشأن التزام مصر بتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وأشار إلى أن الهدف بعد انتهاء البرنامج الحالي مع الصندوق في 2026 هو الانتقال إلى برنامج إصلاح وطني يعتمد بدرجة أكبر على الموارد التي يولدها الاقتصاد نفسه، دون الحاجة إلى الدخول في برامج تمويلية جديدة مع صندوق النقد.
المرحلة المقبلة: الإنتاج بدلًا من الاعتماد على التمويل
تتمحور رؤية معيط في النهاية حول تغيير طريقة التعامل مع الاقتصاد، بحيث تصبح زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار الخاص هي المحركات الأساسية للنمو.
فكلما تمكن الاقتصاد من زيادة موارده الذاتية من النشاط الإنتاجي والتصدير، تراجعت الحاجة إلى الاعتماد المستمر على التمويل الخارجي، وأصبح التعامل مع الديون والالتزامات أكثر استدامة.




