مهزلة جلسات الصلح العرفي في قضايا طح الأعمدة وتأثيرها على الحقوق

في أكتوبر الحالي، انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لشباب من قرية طحا الأعمدة بمحافظة المنيا، أثار استياء البعض باعتباره مسيئاً لشعائر الصلاة، وتم ضبط المشاركين فيه على خلفية الحادث. وتناقلت الأخبار لاحقاً عقد جلسة صلح عرفية شارك فيها رجال دين وشخصيات عامة وممثلو بعض العائلات الكبيرة، كما انتشر اعتذار منسوب لوفد من الكنيسة بسمالوط.
بصرف النظر عن صحة هذا الاعتذار، تبرز هذه القضية تساؤلات تتجاوز الفيديو والاعتذار نفسه، حول استمرار إدارة الأزمات، خاصة ذات الطابع الطائفي، من خلال جلسات صلح عرفية، يتم فيها فرض التزامات على الأطراف دون الرجوع للمسؤولية القانونية، مما يُقصي المؤسسات القانونية والرسمية المختصة بالدولة.
ومن هنا، تتضح أهمية التفريق بين تجريم الإساءة وإدانتها إذا ثبتت، وبين عدم تحميل المؤسسة الدينية مسؤولية أفعال أتباعها، إذ لا صلة للمؤسسة بها، كما أنها ليست الممثل الرسمي لأتباعها لمجرد انتمائهم الديني.
في مثل هذه الأزمات، يجب أن تكون المواقف واضحة بدون لبس؛ فرفض فكرة اعتذار المؤسسة الدينية بالإنابة عن أتباعها كإجراء عرفي إلزامي، كما يُرفض رفضاً تاماً استخدام جلسات الصلح العرفية كبديل لتطبيق القانون أو وسيلة ضغط على أي طرف، لأن إنهاء الأزمة فقط لا يحقق العدالة. المسؤولية هنا فردية تماماً، والتجريم والعقاب من اختصاص الجهات القانونية والقضائية، ولا قيمة أخلاقية للاعتذار إذا فُرض بالإكراه أو دون أدلة إثبات واضحة.
ينص الدستور المصري في المادة 53 على المساواة، وفي المادة 94 على سيادة القانون، وفي المادة 95 على شخصية العقوبة، مما يلزم بمحاسبة كل من يخطئ على فعله دون النظر إلى انتمائه الديني، وألا يتحمل رجال الدين مسؤولية لم يرتكبوها ولا صلة لهم بها. وفي حال وجود أدلة على الإكراه أو التمييز أو المساس بالكرامة، يُحال الملف إلى الجهات المختصة كالمجلس القومي لحقوق الإنسان حسب نطاق اختصاصه، دون أن يحل ذلك بديلاً عن التحقيق القضائي.
لا تعني الوطنية تبرير الأخطاء، ولا قبول الظلم والقهر باسم الحفاظ على التماسك الاجتماعي، الذي يرتكز على تطبيق قواعد موحدة على الجميع دون استثناء أو تهميش أو تمييز.
مصر المدنية التي نطمح إليها لا تقوم العدالة فيها على موازين الضغط الاجتماعي، ولا تكون المؤسسات الدينية مسؤولة بالإنابة عن المواطنين، وإنما هي دولة يحكمها القانون وتحفظ فيها كرامة كل مواطن دون تمييز.
باختصار، تجاوزات بعض الأفراد ليست مسؤولية جماعية، ولا مكان للاعتذارات بالإكراه أو لجلسات الصلح العرفية فوق القانون، فالمواطنة حقوق، والعدالة والمساواة مسؤولية الدولة، وكرامة المواطن المصري ليست محل تفاوض.





