المصري اليوم تتناول رحلة الانتقال من الاحتواء إلى بناء الثقة

تمتلك مصر والسودان فرصة للخروج من أزمة حادث المنقبين عن الذهب عبر تفاهم أقوى يرتكز على كشف الحقيقة، وإنصاف المتضررين، وتطوير آليات التعاون بينهما، فالرد الأكثر نجاعة على محاولات توتير العلاقة هو أن يشاهد المواطنان خطوات مشتركة تحميهما وتؤكد أن مصالحهما محفوظة بالتنسيق والاحترام المتبادل.
وفي هذا السياق، دعا حاكم إقليم دارفور، منى أركو مناوي، عقب لقائه السفير المصري، إلى تبادل معلومات التحقيق وطمأنة أسر الضحايا، مع رفض تعميم الاتهامات على الشعوب، فيما أكدت وزارة الخارجية المصرية استمرار التنسيق في الملفات الاستراتيجية وترابط أمن البلدين، مما يشكل أرضية مناسبة للانتقال إلى إجراءات عملية.
وتتمثل تلك الإجراءات في تعاون جاد للتحقيق يحدد الوقائع والمسؤوليات، ويعلن نتائج يمكن التحقق منها، إذ أن التباطؤ والغموض يسمحان باستمرار الروايات المتضاربة، بينما الشفافية في الكشف عن أي خطأ مثبت تمنح الأسر شعورًا بالإنصاف، وتساعد مصر في حماية موقفها من الاتهامات غير المثبتة، وبناء الثقة التي تقوم على العدالة ووضوح المعلومات.
كما يتزامن ذلك مع استجابة إنسانية مشتركة تشمل علاج المصابين، والبحث عن المفقودين، والتواصل مع الأسر، مع أهمية أن تتصدر المواساة الخطاب المصري، ويُقرن ذلك بتوضيح الإجراءات المتخذة، فحماية السيادة والموارد حق أصيل، والاهتمام بالأرواح يعزز مصداقية الدفاع عن هذا الحق.
أما الخطوة الأبعد فتتمثل في تفعيل آلية اتصال مستمرة بين الجهات الحدودية والأمنية والعدلية، لتبادل المعلومات ومعالجة المشكلات قبل تفاقمها، ووضع ترتيبات واضحة للتحذير، والإخلاء، والتعامل مع المخالفات، مع التزام السودان بتنظيم نشاط مواطنيه وتوعيتهم بالمناطق الحدودية والخطيرة، في حين يتيح التنسيق لمصر تطبيق القانون مع تقليل المخاطر على المدنيين وصيانة سيادتها.
كما تحتاج العلاقة إلى تواصل منتظم مع الجمهور لتوفير معلومات دقيقة للصحافة والإجابة عن الأسئلة المشروعة، ما يقلل مساحة الشائعات، ويمكن للمؤسسات الإعلامية في البلدين توسيع التعاون المهني والتحقق من الصور والروايات المتداولة، مع رفض التعميم والإهانة، إذ يجب أن تكون حماية كرامة المصري والسوداني قاعدة ثابتة داخل البلدين وعلى المنصات الإلكترونية.
تكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة في إقليم تتشابك فيه المصالح والخلافات، فالتوتر بين القاهرة والخرطوم قد يُستغل من أطراف أخرى للضغط أو تغيير الاصطفافات، ويمكن للبلدين تضييق هذه المساحات بالتشاور المباشر، والاتفاق على معالجة خلافاتهما عبر مؤسساتهما، وصون علاقتهما من أن تتحول إلى أداة في تناقضات الآخرين، فاختلاف التقديرات الإقليمية يمكن إدارته مع استمرار الشراكة.
كما يمكن دراسة صيغ قانونية للعمل والتجارة والنشاط التعدين إذا سمحت التشريعات والأوضاع الأمنية، بما يحفظ حقوق الدول والعاملين، فتنظيم المصالح يحد من الفوضى التي تسمح لشبكات الاستغلال بالتمدد، ويمنح المجتمعات الحدودية أسبابًا إضافية للاستقرار والتعاون.
ويُقاس نجاح مصر والسودان بقدرتهما على حماية الناس ومنع تكرار الحوادث، وبما تضيفه المعالجة إلى رصيد الثقة بينهما، فحين يشعر المواطن بأن الدولة المجاورة شريك في أمنه وكرامته، تتراجع قدرة التحريض على التأثير، وحينئذ تصبح الأزمة نقطة انطلاق لتعاون أعمق، وتكتسب العلاقة مناعة تُصنع من المصالح العادلة والإجراءات المسؤولة.





