أخبار العالم

العقار المصري يعيد فرز لاعبيه.. لا مكان للمضاربة.. والبقاء للمطور القادر على التنفيذ السليم

العدد الورقي – صفاء لويس – محمد محسب – خالد الأسمر – مصطفى الخطيب – محمد عاشور

50 مليار جنيه استثمارات «العاصمـة الجديـدة» في 2026.. وطرح أراضي المرحلة الثانية خلال الربع الأول من 2027

10 سـنوات تحول «العاصمـة الجديـدة» تنتقل من أرض خاليـة إلى محور لإدارة الدولـة والاستثمار

50% خصم على غرامات التأخيـر مقابل سداد نصف المتأخرات.. والتيسيرات ترفع التنفيــذ إلى 70%

السوق العقارية المصرية تدخل مرحلة جديدة من النضج وسط تحولات الاستثمار العالمية

النظام الضريبي يستهدف زيادة الإيرادات مع دعم نمو القطاع الخاص وتوفير فرص العمل

۸ تريليونات جنيه مبيعات مؤجلة لأكبر ۱۰ مطورين تتجاوز إيداعات الأفراد بالبنوك

مصر تمتلك مقومات عقارية واستثمارية تعزز قدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا بقوة

٨٥٪ السوق العقارية المصرية تدخل مرحلة جديدة من النضج وسط تحولات الاستثمار العالمية

الاستثمارات الضخمة في المدن الجديدة تحتاج منظومة قوية للصيانة والحوكمة

السوق المصرية تمتلك مقومات جذب عالمية بفضل الاستقرار والموقع الاستراتيجي وقوة الدولة

الصناعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات تتصدر القطاعات الأكثر نموًا في الاقتصاد المصري حاليًا

۶۰٪ حصة القطاع الخاص من إجمالي الاستثمارات مقابل ۴۰٪ للحكومة خلال العامين

الحكومة والمطورون والمؤسسات التمويلية مطالبون بتكامل أكبر لبناء سوق عقارية مستدامة

12 عامًا أقصى فترات السداد تضع أعباء التمويل كاملة على عاتق المطور

60 يومًا مستهدفًا لإنهاء التراخيص والموافقات عبر منظومة «الشباك الواحد»

%83 نســـــبة الدين إلى الناتج المحلي بعد انخفاضها من ۹۶٪ سابقًا

۱۰۰٪ من حصيلة رأس الحكمة و ۱۰۰٪ من علم الروم خُصصت لخفض الدين

۰.۱٪ فقط نسبة المشروعات المتعثرة أو التي تواجه مشكلات تنفيذية من إجمالي المعروض

5 بروتوكولات أفريقية لتصدير تجربة «العاصمة الجديدة» وتخطيط العواصم الجديدة

مشروع قانون المنطقة الاقتصادية الحرة أمام البرلمان تمهيدًا لاستكمال الإجراءات التنفيذية للمشروع

40 مليار جنيه سددتها «العاصمة» للدولة.. والإجمالي قد يصل إلـــى 3 أضعاف مـــع الضرائب والرســـوم والاستثمارات المرتبطـــة

الساحل الشمالي يتفوق بنحو 50 % على القاهرة والمحافظات في حجم المبيعات العقارية

رغم تأجيل معرض «سيتي سكيب مصر ۲۰۲۶» فإن القمة العقارية التي سبقت موعد انعقاده لم تفقد أهميتها بل اكتسبت قيمة إضافية بعدما تحولت من منصة تمهيدية لحدث تجاري إلى مساحة مفتوحة لمناقشة القضايا التي ستحدد اتجاه السوق المصرية خلال المرحلة المقبلة، فالنقاش لم يتوقف عند حركة المبيعات أو خطط الشركات الجديدة وإنما امتد إلى مستقبل المدن الجديدة وقدرة المطورين على تمويل الالتزامات طويلة الأجل، وحدود دور الدولة وموقع الاستثمار العقاري داخل الاقتصاد والضرائب والصيانة والحوكمة وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

أهمية القمة لم تأتي من عدد المتحدثين أو تنوع مناصبهم فقط وإنما من تقاطع الرسائل التي حملوها، فالدولة تحدثت عن الاستثمار والمرافق وتيسير الإجراءات والسياسة المالية ربطت توسع القطاع الخاص بخفض الدين واستعادة النمو بينما وضع المطورون أزمة التمويل وطول فترات السداد وتفاوت تكلفة الأراضي في صدارة التحديات، وفي المقابل أعاد خبراء الاقتصاد النقاش إلى ما بعد البناء مؤكدين أن قيمة المدن لا تُقاس بحجم ما يُضخ فيها من استثمارات فقط وإنما بقدرتها على الحفاظ على أصولها وجودة خدماتها واستدامة مجتمعاتها لعقود طويلة.

وجاءت تصريحات المهندس خالد عباس رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، في قلب المشهد لأنها انتقلت بالنقاش من التوصيف العام إلى خريطة تنفيذ واضحة، فالشركة تستهدف ضخ استثمارات بنحو ۵۰ مليار جنيه خلال ۲۰۲۶ من مواردها الذاتية بالتوازي مع الانتهاء من تصميمات المرحلة الثانية بنهاية العام، تمهيدًا لطرح أول أراضيها خلال الربع الأول من ۲۰۲۷، وتعكس هذه التحركات انتقال العاصمة الجديدة من مرحلة إثبات وجود المدينة إلى مرحلة توسيع نطاقها الاقتصادي والعمراني بعدما تحولت خلال عشر سنوات من أرض خالية إلى مركز لإدارة الدولة ووجهة للأعمال والاستثمار.

لكن الرسالة الأهم في حديث خالد عباس تعلقت بطريقة التعامل مع المطورين إذ أكد أن الشركة لا تستهدف سحب الأراضي من الشركات المتأخرة وإنما مساندتها لاستكمال المشروعات وتسليم الوحدات إلى المشترين، مع ربط التيسيرات بجدية التنفيذ، وشملت الإجراءات خصم ۵۰٪ من غرامات التأخير مقابل سداد نصف المتأخرات ومنح عام إضافي دون مقابل للشركات التي أنجزت ۸۵٪ من أعمال الواجهات، وهي تيسيرات ساهمت – وفق تصريحاته – في رفع نسب التنفيذ في عدد من المشروعات إلى مستويات تراوحت بين ۷۰٪ و۸۰٪.

ولم يترك عباس ملف حماية المشترين خارج المعادلة إذ كشف عن لجان متخصصة تمر على المشروعات كل ۳ أشهر لرصد نسب التنفيذ والتدخل المبكر عند ظهور المشكلات، مؤكدًا أن المشروعات التي تواجه تعثرًا أو صعوبات تنفيذية لا تمثل سوى ۰.۱٪ من إجمالي المعروض، كما طرح هدفًا مباشرًا لتحسين مناخ الاستثمار من خلال منظومة «الشباك الواحد» وتقليص دورة إصدار التراخيص والموافقات إلى نحو ۶۰ يومًا، وهو ما يضع سرعة الإجراءات إلى جانب توافر الأرض والمرافق باعتبارها أحد أهم محددات قدرة المطور على بدء التنفيذ والالتزام بالتسليم.

ومن العاصمة الجديدة إلى الصورة الأوسع للاقتصاد، قدّم ياسر صبحي نائب وزير المالية للسياسات المالية، قراءة تربط قوة السوق العقارية بقدرة الدولة على ضبط المالية العامة وتوسيع مساحة القطاع الخاص، وأوضح أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي انخفضت من نحو ۹۶٪ إلى ۸۳٪، وأن كامل حصيلة صفقة رأس الحكمة وكامل حصيلة صفقة علم الروم وُجهت إلى خفض الدين بما يؤكد أن الصفقات العقارية الكبرى لم تعد مجرد عمليات بيع للأصول أو الأراضي وإنما أصبحت جزءًا من إدارة التوازنات المالية وجذب استثمارات طويلة الأجل. 

ومن العاصمة الجديدة إلى الصورة الأوسع للاقتصاد، قدّم ياسر صبحي نائب وزير المالية للسياسات المالية، قراءة تربط قوة السوق العقارية بقدرة الدولة على ضبط المالية العامة وتوسيع مساحة القطاع الخاص، وأوضح أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي انخفضت من نحو ۹۶٪ إلى ۸۳٪، وأن كامل حصيلة صفقة رأس الحكمة وكامل حصيلة صفقة علم الروم وُجهت إلى خفض الدين بما يؤكد أن الصفقات العقارية الكبرى لم تعد مجرد عمليات بيع للأصول أو الأراضي وإنما أصبحت جزءًا من إدارة التوازنات المالية وجذب استثمارات طويلة الأجل.

كما كشف صبحي عن تحول واضح في هيكل الاستثمار إذ ارتفعت حصة القطاع الخاص من نحو ۴۰٪ إلى ۶۰٪ من إجمالي الاستثمارات خلال عامين مقابل تراجع حصة الحكومة من ۶۰٪ إلى ۴۰٪، وتزامن ذلك مع تجاوز معدل النمو الاقتصادي ۵٪ خلال الأشهر التسعة الأولى من ۲۰۲۶ بقيادة الصناعة ثم السياحة وتكنولوجيا المعلومات، وهي مؤشرات تمنح القطاع العقاري مساحة أكبر للحركة لكنها تضعه في الوقت نفسه أمام ضرورة الارتباط باقتصاد منتج وقاعدة صناعية وخدمية قادرة على توليد وظائف ودخول حقيقية حتى لا يظل الطلب معتمدًا على حفظ المدخرات أو التحوط من التضخم وحدهما.

وعزز المهندس أحمد إبراهيم مساعد وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، هذا الاتجاه مؤكدًا أن دور الدولة تجاوز طرح الأراضي ووضع القواعد المنظمة إلى الشراكة في التنمية وتهيئة البنية التحتية وابتكار صيغ جديدة للتعاون مع القطاع الخاص، فالمرحلة المقبلة كما عكست المناقشات لن تحتمل عمل كل طرف داخل دائرة منفصلة إذ أصبح نجاح المشروعات مرتبطًا بتكامل الحكومة والمطورين والبنوك والمؤسسات التمويلية وبقدرة المنظومة مجتمعة على معالجة ارتفاع التكلفة واضطراب سلاسل الإمداد وتغير احتياجات العملاء.

وفي هذا السياق، وضع المهندس فتح الله فوزي نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس لجنة التطوير العقاري والمقاولات تنويع مصادر التمويل في مقدمة شروط استدامة الصناعة، محذرًا ضمنيًا من استمرار الاعتماد المفرط على مقدمات العملاء ومبيعات الوحدات تحت الإنشاء، وربط بين نضج السوق وقدرة الشركات على جذب الاستثمار المؤسسي وإقامة شراكات دولية والتوسع إقليميًا، خاصة في السوق السعودية، مستندة إلى ما راكمه المطور والمقاول المصري من خبرات في إنشاء المدن والمجتمعات العمرانية الكبرى.

وكشفت مداخلات المطورين حجم الضغوط الكامنة خلف أرقام المبيعات، فقد أشار حازم بدران الرئيس التنفيذي المشارك والعضو المنتدب لشركة «بالم هيلز» إلى أن المبيعات المؤجلة لأكبر ۱۰ مطورين تجاوزت ۸ تريليونات جنيه في وقت وصلت فيه فترات السداد إلى ۱۲ عامًا بما يحمّل الشركات عبء تمويل التنفيذ لسنوات طويلة، كما لفت إلى تفاوت تكلفة الأراضي بين الشركات بما يصل إلى ۱۰ أمثال، وهو تفاوت يجعل المقارنة بين الأسعار وحدها غير كافية لفهم المركز المالي لكل مطور أو قدرته على التسليم.

ومن جانبه وضع المهندس نبيل عماشة، الرئيس التنفيذي لشركة «بيبول أند بليسيز»، محدودية التمويل العقاري تحت المجهر، موضحًا أن مساهمته في السوق المصرية لا تتجاوز ۵٪، مقابل نسب تصل إلى ما بين ۹۰٪ و۹۸٪ في بعض الأسواق العالمية، ويرتبط هذا الفارق بطبيعة السوق المصرية التي تعتمد بصورة كبيرة على البيع على المخطط، وهو نموذج حافظ على حركة النشاط، لكنه نقل الجزء الأكبر من عبء التمويل والمخاطر إلى المطور.

أما نقل الدكتور محمود محيي الدين الخبير الاقتصادي ومبعوث الأمم المتحدة الخاص لتمويل التنمية المستدامة، الحوار إلى قضية لا تقل أهمية عن البناء والبيع وهي إدارة المدن بعد اكتمالها، فحجم الاستثمارات الضخم في العاصمة والمدن الجديدة يحتاج إلى منظومة صيانة وحوكمة تحافظ على قيمة الأصول خاصة أن الوحدة السكنية تمثل الجزء الأكبر من مدخرات الأسرة، كما دعا إلى إعادة النظر في إدارة حصيلة الضريبة العقارية بحيث تُوجَّه إلى الأحياء والمحافظات التي جُمعت منها لتمويل الصيانة والنظافة وتحسين الخدمات وربط ما يدفعه المواطن بعائد ملموس داخل مجتمعه المحلي.

وبذلك خرجت القمة برسالة تتجاوز موعد معرض تم تأجيله؛ فالسوق العقارية المصرية ما زالت تمتلك طلبًا وفرصًا وقدرة على جذب الاستثمارات، لكن استدامة نموها تتطلب الانتقال من قياس النجاح بقيمة المبيعات إلى قياسه بالتمويل والتنفيذ والتسليم والتشغيل والصيانة، وبين خطط الدولة وتحولات السياسة المالية وضغوط المطورين ومطالب الحوكمة، رسمت المناقشات ملامح مرحلة جديدة سيكون فيها البقاء للأكثر قدرة على الوفاء بالتزاماته وتحويل الأراضي والمبيعات المؤجلة إلى مدن مكتملة القيمة وقابلة للحياة.

وإلى مزيد من التفاصيل في السطور التالية …

50 مليار جنيه استثمارات ذاتية والعاصمة تفتح بوابة المرحلة الثانية أمام المطورين

وفي قلب هذه الرؤية جاء حديث المهندس خالد عباس رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية ليقدم قراءة عملية لما يحتاج إليه السوق خلال المرحلة المقبلة، فالسوق العقارية المصرية بحسب عباس لا تعاني غياب الطلب بقدر ما تحتاج إلى تنويع المنتج وإعادة توجيه الاستثمارات نحو الاحتياجات الحقيقية التي يفرضها النمو السكاني واتساع المدن الجديدة وتغير أنماط الحياة والعمل.

وأكد عباس أن الطلب لم يعد مقصورًا على الوحدات السكنية فقط، بل أصبح يمتد إلى المكاتب الإدارية والمراكز التجارية والمستشفيات والمدارس والأنشطة الترفيهية والخدمية، ويعني ذلك أن فرص النمو داخل السوق أكبر من اختزالها في حركة بيع الشقق لأن كل تجمع عمراني جديد يولد احتياجات متوازية في التعليم والصحة والعمل والتجارة والخدمات وهي احتياجات تفتح الباب أمام مشروعات أكثر تنوعًا خلال السنوات المقبلة.

وتحولت العاصمة الإدارية في هذا السياق إلى نموذج عملي لإدارة الطلب على مدينة متكاملة لا تعتمد على السكن وحده، وكشف عباس أن شركة العاصمة الإدارية تستهدف ضخ استثمارات تقترب من 50 مليار جنيه خلال عام 2026 تمول بالكامل من موارد الشركة الذاتية، لاستكمال مشروعات المرافق والبنية الأساسية والمشروعات الكبرى، وأوضح أن الشركة اقتربت بالفعل من تحقيق مستهدفها الاستثماري للعام الجاري بما يعكس قدرتها على الاستمرار في تمويل التوسع من مواردها من دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية.

ولا تتوقف خطة الشركة عند استكمال المرحلة الأولى، إذ انتهت من إعداد تصميمات المرحلة الثانية، على أن تُستكمل بصورة نهائية قبل نهاية عام 2026 تمهيدًا لطرح أول أراضي بها خلال الربع الأول من 2027، وتمثل هذه الخطوة انتقالًا جديدًا في مسار العاصمة لأنها تعني توسيع قاعدة الاستثمار وإتاحة فرص إضافية للمطورين بالتوازي مع تقدم أعمال البنية التحتية في المنطقة الصناعية.

كما تستعد الشركة لطرح قطع أراضٍ جديدة بمساحات صغيرة قبل نهاية العام الجاري بما يفتح المجال أمام شريحة أوسع من المستثمرين بدلًا من قصر الفرص على الكيانات الكبرى القادرة على تطوير المساحات الضخمة، ويعكس هذا التوجه محاولة لإحداث قدر أكبر من التنوع داخل الخريطة الاستثمارية للعاصمة سواء من حيث أحجام الشركات أو طبيعة المشروعات أو الشرائح المستهدفة.

لكن التوسع في الطروحات لا ينفصل عن ملف الانضباط التنفيذي للمشروعات القائمة، وهنا قدم عباس موقفًا واضحًا من المطورين المتأخرين مؤكدًا أن شركة العاصمة لا تستهدف سحب الأراضي منهم باعتباره غاية في حد ذاته وإنما تسعى إلى مساعدتهم على استكمال مشروعاتهم والوفاء بالتزاماتهم وتسليم الوحدات المباعة إلى الحاجزين.

ويضع هذا التوجه حماية العملاء في صدارة إدارة الملف لأن سحب الأرض وحده لا يعالج بالضرورة أوضاع المشترين ولا يضمن استكمال المشروع، ولذلك تربط الشركة أي تيسيرات تمنحها للمطور بمدى جديته في التنفيذ وقدرته الفعلية على إنهاء الأعمال والتسليم بحيث تتحول المساندة إلى أداة لاستكمال المشروعات وليست مهلة مفتوحة تسمح باستمرار التأخير.

وهكذا جمع حديث خالد عباس بين توسيع المعروض الاستثماري وتشديد مسؤولية التنفيذ، فالعاصمة تستعد لمرحلة جديدة من الطروحات والاستثمارات لكنها في الوقت نفسه تضع معيار البناء والتسليم والالتزام في قلب علاقتها بالمطورين بما يحافظ على حقوق العملاء ويضمن استدامة نمو المدينة.

نمو يتجاوز 5 % والقطاع الخاص يستحوذ على 60 % من الاستثمارات

ومن توسع العاصمة ومشروعاتها انتقلت المناقشات إلى الإطار الاقتصادي والمالي الذي يتحرك داخله القطاع العقاري، فقد أكد ياسر صبحي نائب وزير المالية للسياسات المالية أن قدرة السوق على مواصلة النمو ترتبط بسلامة المؤشرات الكلية وتحسن إدارة الدين واتساع المساحة المتاحة للقطاع الخاص.

وأوضح صبحي أن السياسة المالية المصرية تحافظ على علاقات اقتصادية متوازنة مع مختلف دول العالم والتجمعات الإقليمية بما يسمح بتنويع مصادر الاستثمار والتمويل وعدم ربط الاقتصاد بمسار واحد، واعتبر أن الاستثمارات الأجنبية الجديدة لا تمثل مجرد تدفقات مالية وإنما تمنح القطاع الخاص فرصًا للتوسع وتدعم النشاط الاقتصادي وتوفر فرصًا استثمارية وتوظيفية أكبر للمواطنين.

وتكشف المؤشرات التي عرضها نائب وزير المالية عن تغير مهم في هيكل النمو، إذ سجل الاقتصاد المصري نموًا تجاوز %5 خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 بقيادة النشاط الصناعي بينما جاءت الصناعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات في مقدمة القطاعات الأعلى نموًا، وهذه التركيبة تمنح التعافي قاعدة أكثر تنوعًا لأنها لا تربط النمو بقطاع واحد، وإنما توزعه بين الإنتاج والخدمات والتصدير والاقتصاد الرقمي.

كما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى %60 من إجمالي الاستثمارات مقابل %40 للحكومة خلال العامين وهو تحول يعكس سعي الدولة إلى منح المستثمرين دورًا أكبر في قيادة النشاط الاقتصادي، ويكتسب ذلك أهمية مباشرة بالنسبة إلى السوق العقارية لأن زيادة مساهمة القطاع الخاص تعني توسيع قدرته على تطوير المدن وتشغيل المشروعات وتقديم الخدمات وخلق فرص العمل.

وعلى مستوى المالية العامة، أشار صبحي إلى نمو الإيرادات الضريبية بنسبة 35 % خلال العام المالي 2024/2025 مع استمرار الزيادة خلال عام 2026 بالتزامن مع انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 83 % مقابل 96 % سابقًا.

وكشف عن توجيه %100 من حصيلة صفقة رأس الحكمة و100 % من حصيلة مشروع علم الروم إلى خفض الدين، ويؤكد هذا التوجه أن الصفقات الكبرى لا تُقرأ فقط من زاوية قيمتها الاستثمارية أو تأثيرها العمراني وإنما من زاوية قدرتها أيضًا على تحسين هيكل الدين وتخفيف أعبائه وخلق مساحة مالية أوسع لدعم النمو.

وبهذا ربط صبحي بين جذب الاستثمار وتمكين القطاع الخاص وخفض الدين باعتبارها حلقات متصلة في مسار واحد، فالسوق العقارية لا تستطيع العمل بمعزل عن المؤشرات الاقتصادية، كما أن نجاح الصفقات العقارية الكبرى لا يكتمل إلا عندما تتحول حصيلتها إلى قوة إضافية للاقتصاد وتدعم قدرته على تمويل التنمية واستدامتها.

السوق الذي نريده بعد 10 سنوات أهم

من مبيعات العام المقبل

وتقاطعت رؤية محيي الدين حول استدامة الثروة العقارية مع ما طرحه المهندس فتح الله فوزي نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس لجنة التطوير العقاري والمقاولات من ضرورة الانتقال بالسوق من مرحلة تعظيم المبيعات إلى مرحلة بناء صناعة أكثر نضجًا وتنظيمًا.

وطرح فوزي سؤالًا محوريًا حول كيفية تحويل قوة السوق العقارية المصرية إلى قوة استثمارية إقليمية مؤكدًا أن القضية لا تتعلق بحجم ما يمكن بيعه خلال العام المقبل وإنما بنوعية السوق التي تريد مصر امتلاكها بعد 10 سنوات.

وأوضح أن السوق المستهدفة يجب أن تكون أكثر تنظيمًا وشفافية وقدرة على جذب الاستثمار المؤسسي وأكثر انفتاحًا على الشراكات الإقليمية والدولية، فالمستثمر الأجنبي أصبح أكثر وعيًا وخبرة ولم يعد يسأل عن العائد فقط بل يسأل أين يستثمر ومع من يدخل في الشراكة وأي مشروع يستحق ضخ أمواله.

ويفرض ذلك على السوق الانتقال من الاعتماد شبه الكامل على البيع باعتباره المصدر الرئيسي لتمويل التطوير إلى نماذج تمويل أكثر تنوعًا وقدرة على توزيع المخاطر، كما يفرض على الشركات تقديم منتج عقاري حقيقي ومستدام بدلًا من الاكتفاء بإطالة فترات السداد أو توسيع حملات البيع.

وأكد فوزي أن العميل نفسه أصبح أكثر دراية بالخدمات والقيمة المستقبلية للمشروع ولذلك سيكافئ السوق الشركات الأكثر كفاءة ومصداقية، ولم يعد السعر وحده قادرًا على حسم قرار الشراء لأن جودة الحياة والإدارة والتشغيل والاستدامة أصبحت جميعها جزءًا من القيمة التي يبحث عنها العميل.

وأشار إلى أن القوانين واستقرارها وتعزيز الثقة في المستقبل تمثل مرتكزات رئيسية لدعم الاستثمار وتحقيق النمو المستدام، فالمستثمر يستطيع التعامل مع التكلفة المرتفعة إذا كانت القواعد واضحة ومستقرة لكنه يتردد عندما تتغير الإجراءات أو تغيب الرؤية طويلة الأجل.

ومن هنا دعا فوزي إلى قطاع أكثر انفتاحًا على الخبرات ورؤوس الأموال والشراكات الدولية والإقليمية وإلى حوار دائم يجمع الحكومة والمطورين والممولين والخبراء، فمستقبل العقار لا يستطيع طرف واحد صناعته منفردًا وإنما يحتاج إلى ثقة متبادلة ورؤية واضحة للسوق التي تريد مصر بناءها.

مدد السداد حتى 12 عامًا منافسة غير منضبطة تهدد الشركات المتوسطة

وهنا قدم حازم بدران الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة بالم هيلز للتعمير تشخيصًا مباشرًا لما جرى في الطلب خلال السنوات الأخيرة موضحًا أن السوق شهدت سيطرة واضحة للعميل المستثمر قبل أن تبدأ الكفة في العودة تدريجيًا إلى العميل الذي يشتري من أجل السكن الفعلي.

ولخص بدران الفارق بقوله إن الشركة تبيع منتجًا للعمي ل الراغب في السكن بينما تبيع فترة سداد للمستثمر، فالعميل الحقيقي يدرس موقع المشروع وتصميم الوحدة والخدمات وجودة التنفيذ بينما يركز المستثمر بصورة أكبر على مدة السداد وفرص إعادة البيع وتحقيق فارق سعري.

وحذر من تحول إطالة فترات السداد إلى وسيلة أساسية للمنافسة مؤكدًا أن الوصول بالمدد إلى 10 و12 عامًا يمثل منافسة غير منضبطة تفرض ضغوطًا قاسية على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك الملاءة أو محفظة الأراضي التي يتمتع بها كبار المطورين.

ولا تكمن الخطورة في طول المدة وحده وإنما في الفجوة بين سعر البيع وتكلفة التنفيذ، فالمطور يثبت السعر للعميل بينما يمتد تنفيذ المشروع من 3 إلى 4 سنوات ترتفع خلالها أسعار مواد البناء وتكاليف العمالة والتمويل، ويؤدي ذلك إلى تآكل هامش الربح وربما تكبد خسائر في الوحدات التي بيعت قبل موجات ارتفاع التكلفة.

وكشف بدران أن محفظة الأراضي الواسعة تمثل خط الدفاع الأساسي لدى المطور الكبير لأن الشركة تستطيع تعويض تآكل أرباح المراحل المباعة سابقًا من خلال إعادة تسعير الوحدات الجديدة والأراضي المتبقية بما يتواكب مع التضخم، لكن الشركات الأقل امتلاكًا للأراضي لا تتمتع بالمساحة نفسها وهو ما يجعل سباق مدد السداد الطويلة خطرًا على استقرار السوق بأكملها وليس مجرد مشكلة تخص شركة بعينها.

وتعيد هذه الرؤية تعريف القوة المالية للمطور، فهي لا تقاس بحجم المبيعات المحققة فقط وإنما بقدرته على تمويل التنفيذ وتحمل تقلبات التكلفة والمحافظة على التدفقات النقدية والوفاء بمواعيد التسليم، ومن ثم يصبح ضبط المنافسة ضرورة لحماية الشركات والعملاء معًا ومنع انتقال مشكلات السيولة من ميزانيات المطورين إلى المشروعات والحاجزين.

الدولة شريك استراتيجي والمطور يصنع مجتمعًا متكاملًا لا مجرد وحدات سكنية

وإذا كان تحسن المؤشرات الاقتصادية يمنح السوق مساحة أوسع للحركة فإن تحويل هذه المساحة إلى استثمارات فعلية يظل مرتبطًا بوضوح التشريعات وسهولة الإجراءات وقدرة الدولة والقطاع الخاص على العمل داخل رؤية واحدة، ومن هنا أكد المهندس أحمد إبراهيم مساعد وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية أن الحكومة تعمل على توفير بيئة تشريعية وإجرائية أكثر جذبًا للاستثمار بما يعزز ثقة المستثمرين ويرفع قدرة القطاع العقاري على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

وأوضح إبراهيم أن السوق يمر بمرحلة دقيقة فرضتها المتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكلفة الاستثمار واضطرابات سلاسل الإمداد وهي ضغوط أثرت في تنفيذ المشروعات ودفعت الشركات إلى مراجعة نماذج عملها وإعادة ترتيب أولوياتها لكن هذه التحديات بحسب رؤيته لا تعني تراجع فرص القطاع بقدر ما تستدعي حلولًا أكثر مرونة وكفاءة واستدامة تتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة.

وأكد أن دور الدولة لم يعد قائمًا فقط على إتاحة الأراضي أو إصدار التراخيص وإنما تطور إلى دور الشريك الاستراتيجي والمحفز للنمو، وفي المقابل لم يعد المطور المصري مجرد منفذ للمباني والوحدات بل أصبح شريكًا أساسيًا في صناعة المجتمعات العمرانية وخلق الخدمات وتطوير المنتجات وابتكار حلول تستجيب للمتغيرات الحقيقية في الطلب.

وتتطلب هذه المسؤولية من المطورين إدارة أكثر كفاءة والتزامًا أقوى تجاه العملاء الذين وضعوا ثقتهم ومدخراتهم في المشروعات العقارية، كما تتطلب تكاملًا أكبر بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية حتى لا تعمل أطراف السوق في جزر منفصلة وحتى تتحول السياسات والقرارات إلى أدوات تساعد على استكمال المشروعات وتوسيع قاعدة الاستثمار.

وشدد إبراهيم على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحالفات وشراكات فعالة بين جميع أطراف المنظومة العقارية ورؤية مشتركة تقوم على المرونة وتعزيز دور القطاع الخاص مع استمرار رعاية الدولة ودعمها للقطاع، وبهذا تصبح الشراكة وسيلة لصناعة مستقبل عمراني أكثر قوة واستدامة وليس مجرد إطار لتخصيص الأراضي أو تقاسم الإيرادات.

كما دعا إلى خروج القمة بتوصيات قابلة للتطبيق لأن نجاح المؤتمرات لا يقاس بعدد المشاركين أو تنوع الجلسات فقط وإنما بما تنتجه من حلول يمكن تحويلها إلى سياسات وإجراءات ومشروعات، وتمثل قمة سيتي سكيب في هذا الإطار منصة إقليمية لاستعراض الخريطة العقارية والاستثمارية المصرية وفتح آفاق جديدة للتعاون بين الحكومة والمطورين والممولين والمستثمرين.

4 قواعد لحماية الثروة العقارية وتوطين عوائد التنمية

وانتقل الدكتور محمود محيي الدين الخبير الاقتصادي الدولي والمبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة إلى سؤال أكثر عمقًا.. كيف تحافظ مصر على الثروة العمرانية التي بنتها ولا تسمح بتآكل قيمتها بعد سنوات من الإنفاق والاستثمار؟

وأكد محيي الدين أن الاقتصاد العالمي يعيش حالة ممتدة من عدم اليقين والتوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد وهو ما دفع الدول والمستثمرين إلى تغيير استراتيجياتهم، ولم يعد ممكنًا التعامل مع العقار باعتباره ملاذًا مضمونًا بصورة مطلقة من دون حساب مخاطر التمويل والتسعير والمبالغة في تقييم الأصول.

وأشار إلى أن المؤسسات المالية الدولية غالبًا ما تضع تقديرات للمخاطر في الأسواق الناشئة تفوق المخاطر الفعلية الموجودة على الأرض ما يرفع تكلفة التمويل ويحرم هذه الأسواق من تدفقات استثمارية تستحقها، ولذلك تحتاج مصر إلى بيانات دقيقة وشفافة تستطيع بها تقديم صورة واقعية عن السوق وفرصه ومخاطره مؤكدًا أن البيانات أصبحت «النفط الجديد» والمحرك الأساسي للاستثمار والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

ودعا محيي الدين إلى بناء حلول إقليمية تعزز الاستثمار والتجارة والتكامل مع المحيطين العربي والإفريقي خاصة بعدما كشفت الأزمات الدولية هشاشة الاعتماد المفرط على سلاسل الإمداد البعيدة لكنه اعتبر أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في توطين التنمية بحيث لا تظل محصورة في العاصمة والمدن الكبرى بل تمتد إلى كل محافظة ومدينة وقرية من خلال تعليم جيد ورعاية صحية وبنية أساسية ونقل قادر على ربط السكان بفرص العمل والخدمات.

فجودة المدينة لا تقاس بجمال مبانيها وحده وإنما بقدرة سكانها على الانتقال بين مساكنهم وأعمالهم ومناطق التعليم والترفيه بتكلفة معقولة وفي أمان ومن دون إهدار ساعات طويلة على الطرق، ومن هذا المنطلق لا تصبح التنمية العمرانية مجرد توسع أفقي في مساحات البناء بل منظومة متكاملة لتحسين نوعية الحياة ورفع إنتاجية السكان.

وحدد محيي الدين 4 قواعد رئيسية لحماية المليارات التي استُثمرت في العاصمة الجديدة والشيخ زايد والتجمع وغيرهما من المدن حتى تظل محتفظة بقيمتها لعقود طويلة.

تتمثل القاعدة الأولى في الالتزام الصارم بالتقسيم العمراني وكود البناء ومنع تغيير أنشطة الوحدات بصورة غير قانونية بتحويل الوحدات السكنية إلى محال أو ورش أو أنشطة تجارية ومهنية بالمخالفة للتخطيط الأصلي، ويشمل ذلك احترام الاشتراطات الهندسية المرتبطة باستهلاك المياه والتهوية والإضاءة والحفاظ على النسق المعماري لأن المخالفة الفردية قد تتحول بمرور الوقت إلى تشوه يلتهم قيمة مدينة كاملة.

أما القاعدة الثانية فتقوم على توسيع التأمين على المنشآت والمرافق والمباني الحكومية والأصول التاريخية، فالتأمين لا يقتصر دوره على صرف التعويض بعد وقوع الحادث بل يفرض منظومة من الفحص والصيانة وإدارة المخاطر تساعد على منع الخسارة قبل وقوعها وتحافظ على الأصول العامة والخاصة.

وتتمثل القاعدة الثالثة في تحويل الضريبة العقارية إلى ضريبة محلية خالصة بحيث تعود حصيلتها إلى الأحياء والمجالس المحلية التي جُمعت منها وتُستخدم في صيانة الطرق والنظافة والتجميل ورفع كفاءة البيئة العمرانية، فالربط المباشر بين الضريبة والخدمة يمنح المواطن سببًا واضحًا للسداد ويحول الضريبة من عبء لا يرى مقابله إلى مساهمة في الحفاظ على قيمة عقاره والمنطقة التي يعيش فيها.

أما القاعدة الرابعة فترتكز على رفع كفاءة التحصيل الرقمي من خلال نظم ضريبية حديثة تقلل التفاوت بين المناطق وتزيد الحصر والدقة والشفافية، وهكذا ربط محيي الدين حماية العقار بالحوكمة المحلية والرقمنة والتأمين واحترام التخطيط مؤكدًا أن العمران ليس مجرد خرسانة وإنما ثروة قومية تحتاج إلى إدارة تضمن انتقالها بقيمتها إلى الأجيال المقبلة.

القدرات المصرية تؤهل السوق للوصول إلى المستثمر العقاري العالمي

ومن الداخل انتقلت القمة إلى اختبار صورة السوق المصرية في أعين المستثمر الدولي. فقد قدم مايكل جالبرت الرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة «فوربس جلوبال بروبرتيز» قراءة دولية لتجربة العمل في مصر والتعامل مع الشركات وأصحاب المصلحة المحليين في إطار مشروع برج فوربس الدولي المخطط تنفيذه في العاصمة الجديدة.

وأكد جالبرت أن السوق المصرية تمتلك قدرات حقيقية وشركات قادرة على تنفيذ مشروعات كبيرة وفق معايير تنافسية كما تمتلك قاعدة طلب واسعة ومقومات تجعلها قابلة للوصول إلى المستثمر العالمي لكن تحويل هذه المقومات إلى تدفقات مستدامة من رؤوس الأموال يتطلب تقديم السوق بصورة أكثر وضوحًا واحترافية وربط المنتج المصري بشبكات التسويق والاستثمار الدولية.

وتكتسب تجربته أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من سؤال قدرة مصر على بناء العقار إلى قدرتها على تسويقه عالميًا وتقديمه كأصل استثماري قابل للمقارنة بالمنتجات الموجودة في الأسواق الكبرى، فالمستثمر الدولي لا يشتري المبنى وحده وإنما يشتري الثقة في العلامة والمطور والإدارة والقواعد المنظمة للسوق.

وتعكس مشاركة «فوربس جلوبال بروبرتيز» في مشروع بالعاصمة الجديدة اتساع دائرة الاهتمام الدولي بالمقاصد العمرانية الجديدة في مصر، كما تؤكد أن الشراكة مع الكيانات العالمية لا تقتصر على جلب اسم تجاري بل تشمل نقل الخبرة وفتح قنوات وصول إلى شرائح جديدة من المستثمرين وربط المشروعات المصرية بمنصات دولية قادرة على الوصول إلى الثروات ورؤوس الأموال العابرة للحدود.

وهنا تلتقي رؤية جالبرت مع دعوة فتح الله فوزي إلى سوق أكثر انفتاحًا على الشراكات؛ لأن التدويل الحقيقي لا يبدأ من بيع عدد محدود من الوحدات للأجانب بل من بناء منظومة تسمح بتقديم العقار المصري وإدارته وتسويقه وفق قواعد يفهمها المستثمر العالمي ويثق فيها.

العميل يمول التطوير والتمويل العقاري لا يتجاوز 5 % من السوق

واستكمل المهندس نبيل عماشة الرئيس التنفيذي لشركة «بيبول أند بليسيز» تشخيص أزمة التمويل موضحًا أن السوق المصرية ما زالت تعتمد بصورة رئيسية على البيع على المخطط بينما تعتمد الأسواق العالمية الناضجة على العقارات القائمة والتمويل العقاري.

وأوضح أن العميل في مصر أصبح الممول الحقيقي للمطور لأنه يسدد مقدمات وأقساط الوحدات قبل اكتمال التنفيذ فتستخدم التدفقات المحصلة في تمويل أعمال البناء، ورغم أن هذا النموذج أسهم في توسع السوق فإنه يضع الطرفين أمام مخاطر كبيرة عندما تمتد الأقساط إلى 10 سنوات أو 12 عامًا بينما تتغير أسعار الفائدة والتكاليف ومعدلات التضخم.

وأشار عماشة إلى أن مساهمة التمويل العقاري في مصر لا تتجاوز نحو 5 % مقابل نسب تتراوح بين 90 % و98 % في أسواق عالمية أخرى، وتكشف هذه الفجوة أن المشكلة لا تتعلق بضعف الطلب على العقار وإنما بغياب منظومة تمويل قادرة على نقل عبء التقسيط طويل الأجل من ميزانية المطور إلى المؤسسات المالية المتخصصة.

كما رصد تحولًا هيكليًا في طبيعة السوق تمثل في خروج جزء من المستثمرين قصيري الأجل الذين اعتمدوا على المضاربة وتحقيق عوائد سريعة من مقدمات الوحدات وعودة الطلب تدريجيًا إلى العميل الحقيقي الراغب في السكن أو الاستثمار طويل الأجل.

ولم يعد هذا العميل يشتري مساحة داخل مشروع فقط بل يبحث عن «نمط حياة» وتصميم يناسب احتياجات أسرته اليومية والاجتماعية وخدمات يمكن تشغيلها بالفعل، ولذلك أصبحت جودة التخطيط والإدارة والمساحات العامة والأنشطة والخدمات جزءًا أصيلًا من قرار الشراء.

وحذر عماشة من الاعتماد على فترات السداد الممتدة باعتبارها حلًا دائمًا للنمو مؤكدًا أنها حلول وقتية تحمل العميل والمطور مخاطر مضاعفة مع تقلب أسعار الفائدة، واعتبر أن فترات السداد بين 6 و8 سنوات أكثر توازنًا لأنها تساعد على تحقيق تدفقات نقدية أسرع وتقلل التضخم الخفي الذي يضاف إلى السعر لتعويض طول مدة التحصيل.

وأكد أن الأساس يجب أن يكون «السعر العادل» الذي يعكس قيمة حقيقية يحصل عليها العميل لا سعرًا متضخمًا بسبب طول فترة السداد، كما رأى أن الشقق الفندقية والوحدات المخدومة تمثل فرصًا استثمارية ذكية على المدى الطويل خاصة في الساحل الشمالي وغرب القاهرة في ضوء نمو السياحة ونقص الطاقة الفندقية.

السوق يدخل مرحلة الفرز بين من يبيع ومن يبني ويسلم ويشغل

وانتهت مناقشات القمة إلى أن السوق العقارية المصرية لا تقف أمام أزمة طلب بقدر ما تواجه اختبارًا يتعلق بنوعية المنتج واستدامة التمويل وانضباط المنافسة وقدرة الشركات على التنفيذ، فالتوسع العمراني ما زال يخلق فرصًا واسعة والاقتصاد يستعيد معدلات نموه والقطاع الخاص يرفع مساهمته والاستثمارات المحلية والأجنبية تبحث عن مواقع جديدة لكن المرحلة المقبلة لن تكافئ جميع الشركات بالدرجة نفسها.

السوق تتجه إلى فرز واضح بين مطور يعتمد على المبيعات ومدد السداد الطويلة وبين مطور يمتلك الملاءة والأرض والقدرة على البناء والتسليم والتشغيل، كما تتجه إلى فرز مماثل بين مشروع يقدم وحدة فقط ومشروع يصنع مجتمعًا وخدمات ونمط حياة وقيمة طويلة الأجل.

وتصبح الدولة في هذا المشهد مطالبة بضبط القواعد وحماية التخطيط وتوفير البيئة التشريعية وتحفيز التمويل المؤسسي بينما تتحمل الشركات مسؤولية التسعير المنضبط والتنفيذ والشفافية، ويتحمل القطاع المالي مسؤولية تحرير السوق من اعتمادها شبه الكامل على أموال العملاء من خلال توسيع التمويل العقاري وابتكار أدوات تمويل أكثر استدامة.

وهكذا لم تكن الرسالة الأساسية لقمة سيتي سكيب دفاعًا عن استمرار السوق بصورتها القديمة وإنما دعوة إلى الانتقال بها نحو نموذج أكثر نضجًا من سوق يستبدل المضاربة بالطلب الحقيقي ويستبدل سباق الأقساط بالقيمة ويستبدل بيع الأرض والوحدة بصناعة مدينة قابلة للحياة والاستمرار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق