العندليب وأحمد سعيد صوتان مختلفان ومساران متقابلان في عالم الفن

انطلق صوتا عبد الحليم حافظ والإذاعي أحمد سعيد معاً، حيث شكّل كل منهما علامة فارقة في تاريخ الفن والإذاعة، رغم أن أحمد سعيد سبق عبد الحليم بحوالي أربع سنوات في الظهور على الساحة. شهد عام 1953 انطلاقة شرارة الشهرة لهما بالتزامن مع إعلان الجمهورية في 18 يونيو، عندما قدم يوسف بك وهبي عبد الحليم حافظ على خشبة مسرح «الأندلس» ليصبح صوت الثورة، ثم في 4 يوليو من العام ذاته انطلقت إذاعة «صوت العرب» التي برز فيها صوت أحمد سعيد، الذي تجاوز حدود مصر ليصبح صوت الأمة، حتى أُطلق على جهاز الراديو الذي كان يحتل مساحة كبيرة آنذاك اسم «صندوق أحمد سعيد».
كانت الجمهورية الجديدة تدرك أهمية الإعلام الإذاعي قبل بداية البث التلفزيوني، وكان جمال عبد الناصر يتابع البرامج عن كثب ويدون ملاحظاته. وروى أحمد سعيد أن تلاميذ المدارس في الدول العربية كانوا يعبرون عن حبهم له بوضع صورته في دفاترهم إلى جانب صور عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وكانوا يهتفون باسمه في حضور الزعيم.
في الوقت نفسه، شكّل صوت عبد الحليم حافظ في الوجدان العربي صوت الثورة وراعياً لما يمثله عبد الناصر، قبل الهزيمة الكبرى لعام 1967. بعد نكسة يونيو، أصدر قرار بمنع إذاعة صوت أحمد سعيد، ليصمت وهو على قيد الحياة، إذ كان مذيعو البيانات العسكرية مُلزَمِين ببث ما يرد إليهم كلمة بكلمة دون إضافة أو حذف، حتى إن كان لديهم معلومات أخرى، خوفاً من العقوبات العسكرية. وظل صامتاً لفترة قبل أن يقدم استقالته اضطراراً.
أما عبد الحليم، فاتجه نحو تغيير نغمة أغانيه التي كان يرتبط بها الرأي العام، مثل «الأحضان» و«صورة» و«يا جمال يا حبيب الملايين»، حيث أدرك أنه لن يغني مزيداً من هذه الأغاني التي اعتبرت رمزاً للثورة وروحها المتمثلة في الشخصية القيادية. بحث عن كلمات وألحان جديدة، فتواصل مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وطلب منه التعبير عن الحالة الجديدة، ومنح الكلمات للموسيقار بليغ حمدي، لينتجوا معاً أغنية «عدي النهار» التي كانت سقياً لجرح المصريين وتهدئة لجراحهم.
أما أحمد سعيد، فقد أعادت الدولة النظر في وضعه ومنحته هامشاً للتعبير عبر الكتابة الإبداعية، فكانت مسرحيته الساخرة «ليمونة في بلد قرفانة» التي اعتُبرت متمردة وتمت مصادرتها ليلة افتتاحها. كما تعرض لضغوط شديدة، ما اضطره إلى تحويل سيارته الخاصة إلى سيارة أجرة، وهو ما وصفه بأنه «تشنيعة» شنها ضده الإذاعي وجدي الحكيم.
دفع أحمد سعيد ثمن هزيمة 67، وتم التعتيم على صوته رغم أنه عاش فترة النصر في حرب أكتوبر 1973، لكن صوته بقي ممنوعاً لأنه كان يؤدي ذكرى هزيمة 67 وكشف زيف الخطاب الرسمي بتلك الفترة. توفي في 5 يونيو 2018 في ذكرى نكسة يونيو، ولم تُتح له الفرصة لاستعادة مكانته أو البحث عن صوت جديد كما فعل عبد الحليم، الذي بقي في القمة عشرة أعوام بعد الهزيمة، في حين بقي أحمد سعيد مهمشاً ومغموراً بعد نكسة 67، رغم إسهاماته الكبيرة.





