أخبار العالم

96.3 مليار جنيه حجم التمويل الاستهلاكي.. ضوابط جديدة لحماية المواطنين والحفاظ على السوق

فريدي البياضي: حماية المواطن وسمعة الاقتصاد تتطلب شفافية وانضباط شركات التمويل

محمد الشويخ: التمويل الاستهلاكي يحتاج مراجعة شاملة وضوابط حاكمة للإقراض

سمير رؤوف: التمويل الاستهلاكي تجاوز الرفاهية ليصل إلى السلع الغذائية والضوابط أصبحت حتمية

محمد عبد الهادي: التمويل الاستهلاكي داعم للاقتصاد بشرط الرقابة والحوكمة

أمير الجزار: حماية سمعة قطاع التمويل الاستهلاكي تبدأ بالرقابة المستمرة

يشهد سوق التمويل الاستهلاكي توسعًا ملحوظًا خلال العام الماضي، ووفق أحدث بيانات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية في سبتمبر الجاري، بلغ إجمالي قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح نحو 96.3 مليار جنيه خلال عام 2025، مقابل 61.3 مليار جنيه في 2024، بمعدل نمو بلغ 57%، فيما تجاوز عدد المستفيدين 10.8 مليون عميل، مع وصول عدد التراخيص الممنوحة لشركات التمويل الاستهلاكي إلى 48 رخصة، ويعكس هذا النمو المتسارع اتساع قاعدة الاعتماد على التمويل الاستهلاكي باعتباره إحدى أدوات الوصول إلى الخدمات والسلع.

حجم التمويل الاستهلاكي تخطى 96 مليار جنيه

وأصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية، أول دليل شامل للقواعد والضوابط المنظمة لنشاط التمويل الاستهلاكي، بهدف توحيد المرجعية الرقابية وتيسير التزام الشركات بالمتطلبات التشريعية والتنظيمية، في ظل التطور المستمر للنشاط وتنوع منتجات وخدمات التمويل، ويجمع الدليل الجديد، مختلف القرارات والتعليمات والقواعد الرقابية الصادرة خلال السنوات الماضية في مرجع واحد، مستندًا إلى قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020 وما صدر تنفيذًا له من قرارات مجلس إدارة الهيئة ورئيسها والكتب الدورية.

ومن جانبه قال الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، إن هناك قواعد وضوابط عامة تحكم نشاط التمويل الاستهلاكي، إلا أن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم التزام بعض الشركات بهذه القواعد والمعايير، خاصة فيما يتعلق بالتأكد من قدرة المواطنين على السداد قبل منحهم التمويل، كما أن الشركات العاملة في التمويل الاستهلاكي لديها آليات معروفة لتقييم قدرة العميل على السداد، من بينها الاستعانة بالتقييم الائتماني «كريديت سكور»، إلى جانب تحديد حدود التمويل وفقًا لدخل المواطن والتزاماته المالية، إلا أن بعض الشركات تتجه إلى تسهيل إجراءات الحصول على التمويل بهدف جذب المزيد من العملاء، دون التحقق بالشكل الكافي من قدرتهم الحقيقية على السداد.

وأضاف البياضي في تصريحات خاصة لـ «العقارية»، أن واقعة المدرسة الدولية «جلوبال» التي شهدت حصول إحدى شركات التمويل الاستهلاكي على نحو 350 مليون جنيه على حساب أولياء الأمور، يستدعي التأكد من مدى التزام الشركات بالإجراءات والضوابط التي تحمي المواطنين، مشددًا على حماية المواطن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على سمعة الاقتصاد المصري وقطاع التمويل، تتطلب وجود آليات حقيقية للتحقق من البيانات المالية للعملاء قبل منح التمويل، بحيث يتم التعرف على الدخل الحقيقي للمواطن وإجمالي التزاماته ومديونياته، قائلًا: «ممكن المواطن يكون دخله مليون جنيه في الشهر، لكن عليه التزامات بمليون ونصف، فده ما ينفعش ياخد تمويل جديد».

تطبيق الحوكمة على شركات التمويل الاستهلاكي

وأكد عضو مجلس النواب، أن تحديد قيمة التمويل ومدته يجب أن يتم وفقًا لنسبة الالتزامات إلى الدخل، وبناءً على قواعد واضحة يتم تطبيقها على جميع العملاء، كما يجب أن يكون هناك مراجعة ورقابة حقيقية على شركات التمويل الاستهلاكي من جانب الأجهزة التنفيذية والرقابية في الدولة، للتأكد من التزامها بالمعايير والضوابط المحددة، وخاصة وأن حماية الشركات والقطاع لا تتحقق بالدعاية أو التصريحات، وإنما من خلال الشفافية والانضباط وتوافر البيانات الدورية، كما يجب أن يكون هناك بيانات واضحة بشأن الشركات التي تتعرض للتعثر، وكيفية تعاملها مع حالات التعثر وإعادة الجدولة، إلى جانب تحديد الجزاءات التي تطبق على الشركات المخالفة، معتبرًا أن ضعف الرقابة قد يسمح لبعض الشركات بمخالفة القواعد دون التعرض للعقوبات اللازمة.

وشدد على أهمية تطبيق الحوكمة على شركات التمويل الاستهلاكي، وعدم السماح باستمرار الشركات المخالفة، مؤكدًا أن الشركة التي لا تلتزم بالمعايير يجب أن تتعرض للعقوبات، وأن تقوم الجهات الرقابية بإعلان وتقييم الشركات العاملة في القطاع وفقًا لمدى التزامها بالمعايير، بحيث يحصل كل كيان على تقييم يعكس مستوى التزامه وإمكاناته وخبرته وتاريخه في سوق التمويل، بما يساعد المواطن على معرفة الشركات التي يمكن الاعتماد عليها قبل الحصول على التمويل.

وحذر البياضي من أن المشكلات المتكررة في التمويل الاستهلاكي يمكن أن تنعكس بصورة سلبية على القطاع المالي والمصرفي بشكل عام، لأنها قد تعطي انطباعًا بعدم الانضباط في القطاع، كما قد تدفع المواطنين إلى البحث عن مصادر تمويل خارج النظام الرسمي، خاصة إذا واجهوا تعقيدات أو صعوبات في الحصول على التمويل من النظام المصرفي.

وكشف عضو مجلس النواب أن البرلمان ناقش بالفعل عددًا من مشكلات التمويل الاستهلاكي من خلال طلبات إحاطة، شارك في بعضها، وتم خلالها استدعاء المسؤولين في الحكومة وممثلين عن بعض الشركات لمناقشة أوجه القصور، وعلى رأسها عدم التزام بعض الشركات بمعايير التمويل، مؤكدًا أن المواطن في النهاية هو الطرف الذي يتحمل تبعات هذه المشكلات.

وأكد البياضي أن تحرك الهيئة الرقابية بشأن تشديد الضوابط على شركات التمويل يمثل استجابة للتحركات البرلمانية، موضحًا أن عدة عوامل ساهمت في هذا التحرك، من بينها المناقشات التي جرت داخل البرلمان، إلى جانب بعض الوقائع التي أثارت جدلًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تضمنت تعرض مواطنين لمشكلات بسبب التمويل وعدم قدرتهم على سداد الالتزامات المترتبة عليهم.

وأشار إلى أن حجم التمويل الاستهلاكي شهد نموًا كبيرًا، موضحًا أن قيمة التمويل خلال النصف الأول من عام 2026 بلغت، وفق الإحصائية التي يستند إليها، نحو 71 مليار جنيه، بزيادة تقارب 88% عن الفترة المقابلة من العام السابق، لافتًا إلى أن استمرار النمو بالمعدلات نفسها قد يدفع إجمالي التمويل إلى تجاوز حاجز الـ100 مليار جنيه.

ملف التمويل الاستهلاكي يحتاج إلى مراجعة شاملة

ومن جانبه أكد النائب محمد الشويخ عضو اللجنة الاقتصادية، أن ملف التمويل الاستهلاكي يحتاج إلى مراجعة شاملة ووضع ضوابط واضحة وحاكمة لتنظيم عمليات الإقراض، بما يضمن حماية المواطنين والشركات على حد سواء، وأن إصدار هيئة الرقابة الأدلة التنظيمية لا يمثل حلًا كافيًا فيجب أن يكون هناك تطبيق فعلي لضوابط الإقراض المتعارف عليها على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن القضية الأساسية تتمثل في كيفية تطبيق هذه الضوابط على أرض الواقع، خاصة أن بعض الممارسات التي يُفترض حظرها، مثل توقيع إيصالات الأمانة من جانب العملاء، لا تزال محل شكاوى ومخاوف متكررة.

وأضاف الشويخ في تصريحات خاصة لـ«العقارية» أن الوقائع الأخيرة التي شهدها المجتمع، ومنها حالات تعرض بعض المواطنين لأزمات حادة بسبب التمويل والشيكات، تؤكد أن ملف التمويل الاستهلاكي لم يعد مجرد مسألة تنظيمية، وإنما أصبح قضية اقتصادية واجتماعية تستوجب التدخل ووضع إطار أكثر صرامة لحماية المتعاملين، كما أن الضوابط المنظمة للتمويل الاستهلاكي يجب أن تستند إلى القواعد المتعارف عليها في القطاع المصرفي، خاصة فيما يتعلق بدراسة قدرة العميل على السداد، والاستعلام الائتماني، ومراجعة مصادر الدخل والالتزامات القائمة قبل منح أي تمويل.

يجب أن تتأكد الشركة من قدرة العميل على السداد

وتابع: يجب أن تكون هناك ضوابط حقيقية للإقراض لأن هناك مواطنين يحصلون على قروض رغم عدم امتلاكهم مصادر دخل تتناسب مع حجم هذه القروض، بل إن بعضهم يحصل على تمويل من أكثر من جهة في الوقت نفسه، وهو ما يضعه في دائرة من الديون يصعب الخروج منها، مشددًا على ضرورة أن تكون مسؤولية الشركات التمويلية واضحة في التأكد من قدرة العميل على السداد، من خلال تقديم مفردات مرتب أو إثبات مصادر الدخل أو أي ضمانات أخرى تؤكد قدرته على الوفاء بالتزاماته، مؤكدًا أن منح التمويل يجب ألا يتجاوز نسبة آمنة من إجمالي دخل العميل.

وأشار إلى أن التعامل مع التمويل الاستهلاكي باعتباره مجرد «عرض وطلب» أمر غير مقبول، قائلًا إن غياب الضوابط أدى إلى ظهور مشكلات اجتماعية واقتصادية، من بينها دخول عدد من المواطنين في نزاعات وقضايا بسبب تعثرهم في السداد، واضطرار بعض الأسر إلى بيع ممتلكاتها أو ذهب الزوجات لسداد الديون، وأن الهدف من وضع الضوابط ليس التضييق على المواطنين أو حرمانهم من الحصول على التمويل، وإنما حمايتهم من الدخول في التزامات تفوق قدرتهم المالية، مضيفًا: «عندما أمنع شخصًا من الحصول على قرض لا يستطيع سداده، فأنا في الحقيقة أحميه ولست أعمل ضده».

تقليص عدد الشركات لا يمثل حل للأزمة

ولفت عضو اللجنة الاقتصادية إلى أن تشديد العقوبات على المخالفين وحده لن يحل الأزمة، وخاصة وأن العقوبة تأتي بعد وقوع المشكلة، بينما المطلوب هو منع وقوعها من الأساس من خلال منظومة واضحة للإقراض والاستعلام والتقييم الائتماني، قائلًا: كثرة الشركات أو وجود شركات جديدة في السوق ليست هي القضية الأساسية، وإنما الأهم هو إحكام الرقابة على منظومة التمويل نفسها، وأن وقف قبول طلبات تأسيس شركات جديدة لنشاط التمويل الاستهلاكي، في حد ذاته، لا يمثل حلًا كافيًا لحل المشكلة، وخاصة وأن تقليص عدد الشركات قد يؤدي إلى زيادة الحصة السوقية للشركات القائمة، بينما المطلوب هو وضع قواعد واضحة وملزمة تنظم نشاط جميع الشركات، وتضمن عدم التوسع في منح التمويلات دون دراسة حقيقية للقدرة المالية للعملاء.

وأكد الشويخ أن اللجنة سبق وأن طالبت أكثر من مرة بوضع ضوابط واضحة لتنظيم العلاقة بين شركات التمويل الاستهلاكي والمقترضين، مشيدًا بوجود استجابة من قبل الهيئة العامة للرقابة المالية لبعض المطالب، إلا أن المطلوب هو الوصول إلى منظومة متكاملة وواضحة لضبط عمليات الإقراض، قائلًا: «الضوابط هي الحل يجب وضع ضوابط تحمي المواطنين، وضوابط تحمي الشركات، وضوابط تحمي السوق، لأن إحكام منظومة الإقراض هو الطريق الحقيقي لمعالجة مشكلات التمويل الاستهلاكي».

ومن جانبه أكد النائب أمير الجزار، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، أهمية الدليل الشامل الذي أصدرته الهيئة العامة للرقابة المالية في سبتمبر الجاري، لتنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي، معتبرًا أن توحيد القواعد والضوابط المنظمة لهذا القطاع يمثل خطوة مهمة لتعزيز الرقابة وحماية المستهلكين، خاصة مع التوسع في هذا النشاط خلال السنوات الأخيرة، كما أن منظومة التمويل الاستهلاكي تحتاج إلى تطبيق ضوابط دقيقة قبل منح التمويل، وفي مقدمتها إجراء دراسة واضحة لحالة المقترض ومعرفة مصادر دخله الحقيقية، بما يسمح بتحديد قدرته الفعلية على سداد الأقساط، مشددًا على ضرورة ألا يتم منح التمويل بصورة تتجاوز إمكانات العميل المالية.

وضع قواعد تحمي المقترض وتحد من مخاطر التعثر

وأوضح الجزار في تصريحات خاصة لـ«العقارية»، أن قيمة القسط يجب أن تتناسب مع دخل المقترض، مع ضرورة التحقق من صحة بيانات الدخل المقدمة، سواء كانت حقيقية أو غير دقيقة، لأن الاعتماد على بيانات غير صحيحة قد يؤثر بصورة مباشرة على قدرة العميل على السداد ويزيد من مخاطر التعثر، مشددًا على ضرورة وضع ضوابط واضحة بشأن منح التمويل للمرأة، بحيث لا تحصل على قرض دون وجود ضامن من الزوج أو الأب، بحسب طبيعة الحالة والضوابط المنظمة، مؤكدًا أهمية وضع قواعد تحمي المقترض وتحد من مخاطر التعثر.

حماية سمعة قطاع التمويل الاستهلاكي

كما طالب عضو اللجنة الاقتصادية بمنع ممارسات الإقراض الجماعي التي قد تزيد من حجم المخاطر على العملاء، داعيًا إلى تعزيز الرقابة على الشركات والجهات العاملة في نشاط التمويل الاستهلاكي، وعدم السماح بمخالفة القواعد المحددة من جانب الجهات المرخص لها، مؤكدًا على أهمية حماية سمعة القطاع من خلال الرقابة المستمرة على الشركات، إلى جانب إخضاع المحصلين والعاملين في هذا المجال للإدارة والرقابة المباشرة، بما يضمن معرفة أساليب عملهم وكيفية محاسبتهم حال ارتكاب أي مخالفات.

انضباط السوق وحماية المتعاملين

وأشار إلى ضرورة وضع إطار قانوني ورقابي أكثر إحكامًا لأسعار الفائدة، بحيث لا تترك مسألة تحديد الفائدة والقسط لكل شركة أو جمعية بصورة منفردة، مؤكدًا أهمية وجود ضوابط واضحة تضمن عدم المغالاة في أسعار الفائدة، وتحقيق التوازن بين حقوق الشركات وحماية المواطنين، كما أن الرقابة لا يجب أن تقتصر على إصدار القواعد والضوابط، وإنما تمتد إلى التأكد من التزام الشركات بها وتغليظ العقوبات على المخالفين، بما يضمن انضباط السوق وحماية المتعاملين معه، وأن الهدف الأساسي من تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي يجب أن يتمثل في تحقيق التوازن بين إتاحة التمويل للمواطنين من ناحية، وضمان قدرتهم على السداد من ناحية أخرى، بما يحافظ على استقرار السوق ويحد من حالات التعثر والمخاطر الناتجة عن التوسع غير المنضبط في منح القروض.

غياب الضوابط قد يزيد حالات التعثر المالي للأفراد

وأكد الدكتور سمير رؤوف، خبير أسواق المال، أن القرار الأخير الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية بشأن تنظيم وضبط التمويل الاستهلاكي وإيقاف منح التراخيص لفترة مؤقتة، يمثل خطوة تنظيمية شاملة تستهدف إعادة انضباط السوق وتقييم أداء القطاع لضمان الاستقرار المالي وحماية المستهلكين، وأن الهيئة تركز من خلال هذه الضوابط على شقين رئيسيين؛ الأول يتعلق بـ “ضوابط السوق” وتحديد القواعد والحوكمة والنسب الممنوحة وفقاً لعمليات التمويل، أما الشق الثاني، فيتعلق بطبيعة النشاط نفسه، حيث يساهم التمويل الاستهلاكي في تنشيط الأسواق وعجلة الاقتصاد، إلا أنه في الوقت ذاته يشكل عبئاً وضغطاً مالياً كبيراً على كاهل المواطنين والمستهلكين الذين يستمرون في سداد الأقساط على مدار العام.

التوسع في التمويل الاستهلاكي قد يخلق أزمات سعرية

وأضاف رؤوف، أن عمليات التمويل الاستهلاكي اتسعت بشكل كبير ومتشابك لتتجاوز السلع المعمرة كالموبايلات والأجهزة الإلكترونية والملابس، وتدخل حتى في قطاع المواد الغذائية والمشتريات اليومية، وأن الشركات التمويلية تعمل بآليات تشبه البنوك لتضمن حقوقها وحقوق رؤوس الأموال المقترضة (سواء من البنوك أو المؤسسات الاستثمارية)، إلا أن غياب الضوابط الصارمة قد يؤدي إلى تعثر مالي لبعض الأفراد غير القادرين على السداد، وأن الأرقام الصادرة بشأن حجم التمويل والذي بلغ نحو 96 مليار جنيه في عام 2024، ووصل إلى نحو 61 مليار جنيه في 2025.

وضع ضوابط دقيقة للتمويل الاستهلاكي يحمي جميع الأطراف

وأوضح خبير أسواق المال، أن إيقاف التراخيص للشركات الجديدة يهدف لإعادة تقييم السوق ومعرفة حجم الاحتياجات الفعلية لكل قطاع، سواء السيارات أو الإسكان أو السلع الاستراتيجية، لمنع إغراق قطاعات بعينها بتمويلات قد تؤدي إلى مضاربات وارتفاعات غير مبررة في الأسعار (مثل الأوفر برايس) أو إحداث أزمات تضر بالاقتصاد القومي، مشددًا على ضرورة أحكام السيطرة والتنسيق بين البنك المركزي وهيئة الرقابة المالية لضمان التزام الشركات وسد أي ثغرات قد تؤدي لشبهات غسيل أموال أو تعثر مالي، مؤكداً أنه لا يفضل التوسع في التمويل الاستهلاكي إلا في حالات الضرورة القصوى ووفق ضوابط محددة تحمي كافة أطراف المنظومة.

قال الدكتور محمد عبد الهادي، خبير أسواق المال ومدير عام شركة وثيقة لتداول الأوراق المالية، إن حجم التمويل الاستهلاكي في مصر يشهد تزايدًا مستمرًا، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء والالتزامات على المواطنين، وهو ما دفع إلى زيادة الاهتمام بهذا النوع من التمويل باعتباره بديلًا عن القروض التقليدية.

وأوضح عبد الهادي في تصريحات خاصة، أن التوسع في نشاط التمويل الاستهلاكي يتطلب في الوقت نفسه تطوير منظومة الرقابة ووضع قواعد ومعايير واضحة لسد أي ثغرات قد تؤثر على الاقتصاد، إلى جانب تعزيز الإجراءات الرقابية والتفتيشية من جانب الهيئة العامة للرقابة المالية، بما يضمن حماية الأفراد وعدم التأثير سلبًا على الاقتصاد.

وأشار إلى أن الجهاز المصرفي مر خلال فترات سابقة بممارسات ومخالفات استدعت وضع مجموعة من القوانين والتشريعات الرقابية، وهو ما أسهم في تطوير معايير «بازل 1» و«بازل 2» و«بازل 3»، بهدف حماية الجهاز المصرفي من الممارسات الخاطئة وتعزيز قدرته على مواجهة المخاطر.

وأكد أن الهيئة العامة للرقابة المالية تعمل على وضع ضوابط للحد من المخاطر المرتبطة بنشاط التمويل الاستهلاكي، من خلال التأكد من توافر الملاءة المالية الكافية لدى الشركات العاملة في النشاط، وكفاية رؤوس أموالها، بما يساهم في حماية أموال العملاء والحفاظ على استقرار المنظومة المالية بشكل عام.

ضرورة تقييم قدرة العملاء على السداد

ولفت عبد الهادي إلى أن أي نظام جديد قد تظهر به بعض الثغرات حتى مع اتخاذ الإجراءات الرقابية اللازمة، مؤكدًا أهمية تعزيز الرقابة على مستخدمي التمويل الاستهلاكي، وتحديد مدى ملاءتهم المالية وقدرتهم على سداد الالتزامات المستحقة عليهم.

وأضاف أن من بين الإجراءات المهمة إنشاء سجل للعملاء الحاصلين على التمويل الاستهلاكي، إلى جانب عدم التوسع في منح التراخيص لشركات جديدة إلا بعد استيفاء المعايير المطلوبة، مع وجود سجل لدى الهيئة للشركات العاملة في النشاط يتضمن تقييمات تساعد العملاء على التعرف على قوة الشركة وقدرتها المالية.

وشدد على أهمية وضع حدود لمبالغ التمويل، فضلًا عن تنظيم الإعلانات الخاصة بالتمويل الاستهلاكي، بما يمنع الممارسات التي قد تؤثر في النهاية على الاقتصاد أو الجهاز المالي.

تقليص عدد الشركات وفقًا للملاءة المالية

وقال عبد الهادي إن السيطرة على شركات التمويل الاستهلاكي دون التأثير على الجهاز المصرفي أو الاقتصاد تتطلب تحديد عدد مناسب من الشركات العاملة في النشاط، على أن تتمتع هذه الشركات بملاءة مالية قوية تمكنها من ممارسة النشاط بعيدًا عن الضغط على الجهاز المصرفي، مع وضع ضمانات كافية لحماية أموال العملاء وتحديد الجهات المختصة بالرقابة والمتابعة.

وحول كيفية الحفاظ على سمعة نشاط التمويل الاستهلاكي في ظل التوسع الكبير الذي شهده خلال الفترة الماضية، أكد عبد الهادي أن حماية هذا النشاط لا تتحقق من خلال إجراءات تحد من نشاطه أو تمنعه، خاصة أن التمويل الاستهلاكي ساهم خلال فترات الركود الاقتصادي في تحريك الأموال داخل الجهاز المصرفي.

وأوضح أن الحفاظ على سلامة النشاط يتطلب وضع قواعد واضحة تضمن منح التمويل للعملاء القادرين على السداد فقط، إلى جانب تطبيق مبادئ الشفافية والحوكمة، وتحديد العملاء الذين تتعامل معهم الشركات بدقة، بما يمنع وجود تفاوتات أو ممارسات غير منضبطة بين الشركات المرخص لها.

التمويل الاستهلاكي داعم للاقتصاد بضوابط واضحة

وأكد خبير أسواق المال أن أزمات التمويل الاستهلاكي يمكن أن تؤثر سلبًا على الاقتصاد حال غياب الرقابة والضوابط، إلا أن النشاط في حد ذاته لا يمثل خطرًا على الاقتصاد إذا تم تنظيمه بصورة صحيحة.

وأشار إلى أن التمويل الاستهلاكي يحتاج إلى منظومة متكاملة من القوانين والرقابة والشفافية والحوكمة، إلى جانب تشريعات تضمن حقوق جميع الأطراف وتحافظ على أموال الشركات والعملاء، خاصة أن أموال هذه الشركات ترتبط بصورة مباشرة بالمنظومة المالية.

وأضاف أن التجارب العالمية أثبتت أن ظهور أنشطة مالية جديدة قد يصاحبه بعض المخالفات، مستشهدًا بالأزمة المالية العالمية عام 2008 وما شهدته الولايات المتحدة من إفلاس عدد من البنوك، وهو ما دفع إلى تشديد القوانين والتشريعات ووضع ضمانات ملزمة لجميع الأطراف.

وشدد عبد الهادي على ضرورة عدم منح تراخيص لشركات التمويل الاستهلاكي إلا بعد التأكد من توافر ملاءة مالية كافية وقدرة حقيقية على الوفاء بالالتزامات، بما يضمن حماية الشركات والمواطنين.

واختتم بالتأكيد على أن التمويل الاستهلاكي، حال إخضاعه للرقابة والشفافية والحوكمة ووضع التشريعات والضوابط اللازمة، لا يمثل عاملًا سلبيًا للاقتصاد، بل يمكن أن يتحول إلى أحد الأدوات الداعمة للاقتصاد المصري. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق