هل تعتزم ألمانيا تجريم إنكار حق إسرائيل في الوجود وفقًا للمقترحات القانونية الجديدة؟

تزامنًا مع الذكرى السنوية الثالثة لهجوم حركة حماس الإرهابي على إسرائيل، ارتفعت في ألمانيا المطالب بحظر إنكار حق إسرائيل في الوجود.
وأعلنت حكومة ولاية هيسن الألمانية يوم الاثنين أن من ينكر حق إسرائيل في الوجود يعرض حياة اليهود للخطر، ومن يهاجم الحياة اليهودية يهاجم النظام الحر الألماني. وأشارت حكومة الولاية إلى وجود ثغرة في قانون العقوبات الألماني بحاجة إلى سدّها.
وتتكرر ظهور شعارات تنكر حق إسرائيل في الوجود، مثل كتابات على جدران برلين وهتافات أثناء مظاهرات تضامن مع الفلسطينيين، إضافة إلى شعارات ترفض دولة إسرائيل وتدعو إلى القضاء عليها. وتفاقم النقاش مؤخرًا بسبب تصريحات أدلى بها بعض سياسيي حزب اليسار، دون أن تُسجّل حتى الآن أية عواقب جنائية في هذه الحالات.
مطالبة مجلس الولايات الألماني بفرض حظر قانوني
في بداية يوليو/تموز، أقر مجلس الولايات الاتحادية الألماني (البوندسرات) مشروع قانون قدمته ولاية هيسن يهدف إلى فرض حظر قانوني على إنكار حق إسرائيل في الوجود.
ويُقترح بموجب هذا القانون إدراج إنكار حق إسرائيل في الوجود ضمن جرائم التحريض، مع توقيع عقوبة السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات أو غرامة مالية على من ينكر علنًا أو في تجمع عام حق إسرائيل في الوجود أو يدعو إلى القضاء عليها، شرط أن يكون لذلك تأثير في تعزيز الاستعداد لممارسة أعمال عنف أو تصرفات تعسفية معادية للسامية.
لكن المشروع تلقى انتقادات من خبراء القانون الذين اعتبروه مخالفًا للدستور، حيث أشار نحو 30 أستاذًا في القانون إلى أنه لا يمكن حظر رأي معين بموجب قانون عام رغم تفهمهم للقلق من تصاعد معاداة السامية وأعمال العنف المرتبطة بها.
كما سلط تقرير صادر عن خدمة الأبحاث في البرلمان الألماني (البوندستاغ) الضوء على الشكوك حول دستورية مشروع القانون، في وقت أعرب فيه دانيال كوهن-بنديت، السياسي الألماني الفرنسي واليهودي المنتمي لحزب الخضر، عن موقف معارض واصفًا القانون بأنه “خاطئ تمامًا”.
تحفظات الحكومة الاتحادية
في أواخر أغسطس/آب، أبدت الحكومة الاتحادية الألمانية رأيها في المشروع، معربة عن انتقادات وتحدثت عن وجود “خطر دستوري كبير”. وأكدت ضرورة دراسة أن حالات إنكار حق إسرائيل في الوجود والدعوة إلى القضاء عليها مشمولة بالقوانين القائمة.
وفي مقال نشر في مجلة رجلا القانون، أبدى المحاميان كريستوف مولرس وكريستيان نوماير تشككهما في إمكانية اتخاذ إجراءات جنائية ضد إنكار حق إسرائيل في الوجود، مبرزين أن الموضوع مرتبط بحرية التعبير التي تتمتع بمكانة عالية في ألمانيا.
ومن جهته، قال كريستيان هاينتس، وزير العدل في ولاية هيسن عن الحزب المسيحي الديمقراطي، في مؤتمر صحفي على المستوى الاتحادي إن هناك حاجة “واضحة جدًا” لسن تشريع ينظم هذه المسألة، مشيرًا إلى التباينات في الأحكام القضائية الألمانية بشأن شعارات مثل “من النهر إلى البحر”. وأشار إلى أن بعض المحاكم تعتبر عرض “نجمة داوود” في حاوية قمامة أمرًا قانونيًا.
وأضاف هاينتس أن الهدف الأساسي هو توفير أدوات للسلطات المختصة لتنظيم التجمعات العامة، بما في ذلك إمكان حظر أو فرض شروط على التجمعات التي تستعمل شعارات تعتبر إنكارًا لحق إسرائيل.
كما أشار هاينتس إلى الارتفاع الحاد في جرائم الكراهية المعادية للسامية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما نتج عنه من شعور بعدم الأمان لدى الجالية اليهودية في ألمانيا.
التزام الدولة بحماية اليهود
أعدّ أستاذ القانون شتيفن أوغسبيرغ من جامعة غيسن تقريرًا لحكومة ولاية هيسن أكد فيه أن مشروع القانون يتوافق مع الدستور، مشيرًا إلى التزام الدولة الألمانية بحماية اليهود.
وأوضح أوغسبيرغ أن حرية التعبير في ألمانيا ليست مطلقة، مستشهدًا بحكم صدر عام 2009 من المحكمة الدستورية الاتحادية في قضية “قرار فونزيدل”، التي أقرّت دستورية تجريم تمجيد الحكم النازي مع الاستناد إلى المسؤولية التاريخية الخاصة لألمانيا في هذا المجال.
شارك في المؤتمر رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، جوزيف شوستر، الذي عبّر عن موافقته المبدئية على حظر إنكار حق إسرائيل في الوجود وتجريمه، لكنه أعرب عن قلقه من توجه ولاية هيسن القانوني ودعا إلى تضمين القانون ضمن المواد الخاصة بالجرائم المرتكبة ضد دول أجنبية لا ضمن أحكام التحريض على الكراهية.
وشدد شوستر على أن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 الإرهابي شكل نقطة تحول للمجتمع اليهودي في ألمانيا وخارجها، حيث أسفر هذا الهجوم الذي نفذته حركة حماس وجماعات متطرفة أخرى عن مقتل نحو 1200 شخص وإصابة آلاف، بالإضافة إلى اختطاف حوالي 250 رهينة إلى قطاع غزة، أعقبها حرب في غزة أودت بحياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين وإصابة أعداد كبيرة نتيجة الهجمات الإسرائيلية.
مناهضة الصهيونية وكراهية اليهود
قال شوستر إن ما يُعرف “بمناهضة الصهيونية” في كثير من الأحيان لا يعدو كونه تجديدًا لكراهية اليهود القديمة، معتبرًا أن هذه الشعارات تحمل في جوهرها دعوة لتدمير دولة إسرائيل اليهودية.
وفي مقابلة صحفية لاحقة، أوضح آيكه هوزمان، المتحدث باسم وزارة العدل الاتحادية، تحفظ الحكومة على تقييد حرية التعبير، معتبراً أن تجريم التعبير عن الآراء بهذا الشكل غير ممكن بموجب القانون الأساسي، ومشدداً على أن مشروع قانون ولاية هيسن يحمل “مخاطر دستورية كبيرة” ويعد “محفوفًا بالمخاطر”.
من المتوقع أن يستمر النقاش السياسي حول هذا المشروع، الذي يحظى بدعم مجلس الولايات الاتحادية، لكنه يواجه تحفظات الحكومة الاتحادية، حيث ستُدرج الخطوة القادمة لمناقشته في البرلمان الاتحادي، وقد تصل النزاعات فيه إلى المحكمة الدستورية في كارلسروه.





