أخبار العالم
من باب المندب إلى قناة السويس.. هل يهدد التصعيد الحوثي الاقتصاد المصري؟

لم تعد أزمة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مجرد تهديد لحركة التجارة العالمية وخاصة بعد سيطرة الحوثيون على عدد من المواقع الاستراتيجية على ساحل البحر الأحمر وفي محيط مضيق باب المندب، وإنما تحولت إلى ضغط مباشر على أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للاقتصاد المصري، وهو قناة السويس، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدًا جديدًا يعيد المخاوف من اضطراب حركة السفن وعودة شركات الشحن إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر.
أزمة مضيق باب المندب
وتكتسب التطورات الأخيرة خطورتها من الموقع الاستراتيجي لمضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ويُعد البوابة الجنوبية لقناة السويس. ومع سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية جديدة قرب المضيق، تصاعدت المخاوف من قدرتهم على تهديد حركة التجارة والطاقة، وهو ما قد يدفع المزيد من السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلًا من استخدام طريق قناة السويس.
باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس
يمثل باب المندب حلقة أساسية في طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، إذ تمر السفن القادمة من المحيط الهندي وخليج عدن عبره إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس وصولًا إلى البحر المتوسط، وتكمن الخطورة في أن قناة السويس لا تستطيع العمل بمعزل عن أمن البحر الأحمر وباب المندب؛ فحتى إذا ظلت القناة مفتوحة وآمنة، فإن تهديد الجزء الجنوبي من الطريق قد يدفع شركات الملاحة إلى تجنب الرحلة بالكامل.
والمفارقة أن قناة السويس كانت قد بدأت بالفعل استعادة جزء من حركة الملاحة بعد فترة طويلة من التراجع، حيث أعلنت الهيئة في يناير 2026 أن النصف الأول من العام المالي 2025/2026 زيادة في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8%، وارتفاع الحمولات الصافية بنسبة 16%، فيما ارتفعت الإيرادات بنسبة 18.5% مقارنة بالفترة المقابلة من العام المالي السابق، وفي فبراير، أعلنت الهيئة أن 1315 سفينة عبرت القناة منذ بداية 2026، بحمولات صافية بلغت 56 مليون طن، وحققت إيرادات بقيمة 449 مليون دولار، مقابل 1243 سفينة و368 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، ولكن مع تجدد المخاطر في باب المندب يهدد بإبطاء هذا التعافي أو حتى عكس اتجاهه إذا قررت شركات الملاحة العودة إلى مسار رأس الرجاء الصالح.
وتركز هيئة قناة السويس على استعادة ثقة الخطوط الملاحية، وأكدت في وقت سابق أن الظروف الإيجابية قد تمهد لعودة الخطوط إلى الإبحار عبر باب المندب وقناة السويس باعتبارها المسار الأفضل للتجارة بين الشرق والغرب.
سيناريوهات التأثير على الاقتصاد المصري
هناك عدد من السيناريوهات تنتظر الاقتصاد المصري وهي كالتالي:
السيناريو الأول:عودة الاستقرار إلى باب المندب والبحر الأحمر ستدفع شركات الملاحة إلى استئناف الرحلات عبر القناة، ما يسمح باستمرار تعافي الإيرادات.
السيناريو الثاني: استمرار التهديدات سيبقي جزءًا من السفن بعيدًا عن القناة، ما يعني ضغطًا على الإيرادات الدولارية وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
السيناريو الثالث: وهو الأخطر، إذ قد يؤدي إلى تعطيل مسارات الطاقة والتجارة في أكثر من نقطة، بالتزامن مع ارتفاع النفط والتأمين والشحن، ما يضاعف الضغوط على الاقتصاد المصري والحساب الجاري والتضخم.
رفع مخاطر اضطراب حركة التجارة وإمدادات الطاقة
ومن جانبه أكد الدكتور عمرو السمدوني، سكرتير عام شعبة النقل الدولي واللوجستيات بغرفة القاهرة التجارية، أن اقتراب جماعة الحوثيين المدعومة من إيران من مضيق باب المندب، عقب سيطرتها على مدينة المخا وجزيرة في البحر الأحمر، من شأنه زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي والأسواق العربية، ورفع مخاطر اضطراب حركة التجارة وإمدادات الطاقة في المنطقة.
وقال السمدوني في بيان، إن التطورات الأخيرة تثير مخاوف بشأن حركة شحن النفط السعودي إلى الأسواق الآسيوية، والتي تمر عبر موانئ البحر الأحمر، في ظل إعلان الحوثيين في وقت سابق فرض حظر بحري على السعودية، الأمر الذي قد يضيف مزيدًا من الضغوط على أسواق الطاقة وتكاليف النقل والتأمين البحري.
حركة الملاحة بقناة السويس
وأضاف أن تداعيات التصعيد لا تقتصر على أسواق الطاقة، وإنما تمتد إلى الاقتصاد المصري، من خلال التأثير المحتمل على حركة الملاحة بقناة السويس، التي تواجه بالفعل تراجعًا ملحوظًا في الإيرادات منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بخط أنابيب سوميد، باعتباره أحد الشرايين الاستراتيجية لنقل النفط الخام السعودي والخليجي إلى الأسواق الأوروبية.
وأوضح أن خط سوميد يمتد لأكثر من 320 كيلومترًا، ويربط محطة العين السخنة على خليج السويس بميناء سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط، بما يمنحه أهمية استراتيجية في نقل النفط وتوفير مسار بديل لنقل الإمدادات بين البحر الأحمر والبحر المتوسط.
وأشار السمدوني إلى أن مضيق باب المندب يمثل أحد أهم الممرات البحرية في حركة التجارة الدولية، إذ تمر عبره نسبة تتراوح بين 12% و15% من التجارة البحرية العالمية سنويًا، فضلًا عن مرور نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية، ونحو 7% إلى 10% من تجارة النفط والمنتجات البترولية المنقولة بحرًا، إلى جانب عبور أكثر من 25 ألف سفينة سنويًا.
إعادة توجيه السفن بعيدًا عن البحر الأحمر
وأكد أن أي تصعيد عسكري أو أمني في منطقة باب المندب من شأنه رفع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة مدد الرحلات البحرية، بما ينعكس على أسعار السلع وتكاليف سلاسل الإمداد، خاصة في حال اضطرار شركات الملاحة إلى إعادة توجيه السفن بعيدًا عن البحر الأحمر.
وفي المقابل، أوضح أن مضيق هرمز يظل أكثر حساسية من باب المندب من منظور أمن الطاقة العالمي، نظرًا لدوره المباشر في نقل إمدادات النفط والغاز، وبالتالي فإن أي اضطراب واسع النطاق في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة وسريعة على أسواق الطاقة العالمية.
ولفت إلى أن المخاطر المرتبطة بباب المندب تتمثل بصورة أكبر في ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأخر سلاسل الإمداد، وهي تداعيات يمكن لقطاع النقل البحري التعامل معها جزئيًا من خلال إعادة توجيه السفن واستخدام مسارات بديلة، وإن كان ذلك بتكلفة ووقت أكبر.
وشدد على أن استمرار التوترات في البحر الأحمر يفرض ضرورة تعزيز أمن الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة، إلى جانب وضع سيناريوهات للتعامل مع أي اضطرابات محتملة بما يحد من تأثيرها على قناة السويس والاقتصاد المصري وسلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.
قناة السويس

باب المندب




