ماريا فالتورتا تثير جدلاً بإعادة تفسير حياة المسيح والعذراء مريم بواسطة رؤى خارقة للطبيعة

في منتصف القرن العشرين، ظهرت في إيطاليا شخصية أدبية ودينية مثيرة للجدل تُدعى ماريا فالتورتا، عاشت سنوات طويلة من العزلة بسبب مرض أقعدها عن الحركة، حيث بدأت تدون، كما قالت، مشاهد دينية ورؤى خارقة تتناول حياة المسيح والم среды حياته وزمانه.
تشكلت كتاباتها عند تقاطع السرد الروحي والتاريخي، لا سيما في كتابها المعروف “الإنجيل كما أوحي به إليّ”، الذي يقدم سرداً تفصيلياً لحياة يسوع المسيح حوى مشاهد وأحداث وشخصيات لم ترد في الأناجيل المعتمدة، فضلاً عن وصف دقيق للحياة اليومية في فلسطين في القرن الأول الميلادي، مما منح القارئ تجربة قراءة تأخذه إلى زمن المسيح.
رغم القيمة الروحية والأدبية التي وجدها بعض الباحثين والقراء في كتابتها، أثار العمل تساؤلات دينية ولاهوتية وتاريخية حول مدى صحة التفاصيل ومصدر النصوص، وهل هي رؤى حقيقية أم تأملات أدبية، وكيف تعاملت الكنيسة مع هذه المادّة التي تتداخل فيها التاريخية مع المتخيل.
أسئلة محيّرة
ماريا فالتورتا لم تعتبر نفسها مؤلفة بل ناقلة لما رأت في رؤى خاصة، فتحدثت عن مشاهد في فلسطين بالقرن الأول والتقت شخصيات مثل المسيح والعذراء والتلاميذ، وسجلت ما شهدته في دفاترها، وهو ما يطرح أسئلة حول طبيعة هذه المشاهد وهل هي واقعية أو أدبية.
تتضمن التساؤلات أيضاً كيف جاءت تلك التفاصيل الدقيقة عن المدن والعادات وكيف تتوافق مع المصادر التاريخية، وإلى أي مدى تقبل الكنيسة الاعتراف بهذه النصوص كنصوص روحية أو وحي، ومتى يمكن فصل التجربة الروحية عن النصوص المقدسة الرسمية.
يرى الأب يوهنان-مريم دي كازيناف، في دراسة للكاتب الفرنسي جان فرانسوا لافيير، أن غموض مصادر هذه التفاصيل وواقعية أوصافها يأتي في تناقض مع الخبرة العلمية الرافضة لتلك المعلومات، متسائلاً عن كيفية معرفة فالتورتا لأسرار اختفت لألفي سنة.
من هي ماريا فالتورتا؟
ولدت ماريا فالتورتا في 14 مارس 1897 في مدينة كازيرتا الإيطالية، وكانت الابنة الوحيدة لأسرة من أصول لومباردية، حيث كان والدها جوزيبي ضابطاً في سلاح الفرسان ووالدتها إيزيده فيورافانزي معلمة لغة فرنسية ذات شخصية صارمة أثرت في طبيعة حياة ماريا.
تنقلت الأسرة بين عدة مدن إيطالية مثل كازيرتا وفاينتسا وميلانو، ونشأت ماريا في بيئات متعددة أظهرت فيها تطوراً روحياً وثقافياً، مع ميل مبكر نحو التأمل في آلام المسيح التي رأت فيها تعبيراً عن محبته للبشر.
عملت ماريا في الحرب العالمية الأولى لمدة ثمانية عشر شهراً ممرضة في مستشفى عسكري، كما تأثرت بحياة أسرية أعاقت تحقيق أحلامها الشخصية في الزواج والأمومة.
استقرت العائلة في عام 1924 في فياريجيو، وفي عام 1929 انضمت ماريا لحركة العمل الكاثوليكي وشاركت في النشاطات الرعوية والتعليمية، قبل أن تتدهور صحتها وتصاب بشلل تدريجي وبدأت تعيش في عزلة تامة منذ عام 1933 حتى وفاتها عام 1961 بعد ما يقارب 27 عاماً ملازمة للفراش.
في بداية عام 1943، وبناءً على توجيهات مرشدها الروحي، بدأت ماريا تدوين سيرتها الذاتية، ومن ثم تلقت، كما قضت، “إملاءات” ذات مصدر خارق للطبيعة من عيد الجمعة العظيمة 1943، استمرت على أساسها في الكتابة بشكل شبه يومي حتى 1951، فجمعت خلال هذه الفترة نحو 13,193 صفحة في 122 دفتراً.
ورفضت ماريا طلب الحصول على إذن كنسي لنشر كتاباتها، واختارت دار م. بيساني لنشرها في عقد اُبرم عام 1952، وفور صدور المجلد الأول في عام 1956، بدأت تعاني من تراجع في صحتها النفسية والجسدية حتى وفاتها.
الإنجيل كما أوحي به إليّ
يُعد كتاب “الإنجيل كما أوحي به إليّ” العمل الأبرز في حياة ماريا فالتورتا، وصدرت نسخته في عشرة مجلدات تتناول تفاصيل حياة المسيح من مراحل قبل ميلاد العذراء مريم وطفولتها، ثم ميلاد المسيح ومسيرته، وينتهي بتأسيس الكنيسة الأولى وإصعاد جسد العذراء إلى السماء.
كتبت ماريا معظم الكتاب بين عامي 1944 و1947، مع بعض الإضافات في 1951، حافظت على التسلسل الزمني للأحداث مع تسجيل الحلقات أحياناً خارج السياق ثم ترتيبها لاحقاً بإملاء بحسب قولها.
تنوعت أسماء الكتاب التي عُرف بها عبر مراحل نشره، منها “إنجيل يسوع كما كُشف ليوحنا الصغير”، و”كلمات الحياة الأبدية”، و”المأساة الإلهية” بحسب عقد النشر، ثم “قصيدة يسوع”، التي لم تستمر بسبب مطالبات حقوق نشر لاحقة، قبل أن يعتمد العنوان النهائي “قصيدة الإنسان-الإله” ثم “الإنجيل كما أوحي به إليّ” في النسخة الفرنسية والمترجمة، وهو العنوان المعتمد حالياً.
لغز التفاصيل الجديدة
إن أهمية كتاب ماريا فالتورتا لا تكمن فقط في ضخامته بل في تقديمه سرداً موسعاً للحقب التي لم تذكرها الأناجيل، إذ يملأ الفراغات بالتفصيل اليومي والحوار والوقائع الاجتماعية، مما يثير تساؤلات حول مصادر تلك التفاصيل ودقتها.
يشير الباحث جان فرانسوا لافيير إلى دقة وصف فالتورتا للمدن والطرق والزراعة والجسور الرومانية، حيث أظهرت الحفريات الأثرية الحديثة صحة بعض هذه الأوصاف لما لم يكن معروفاً مسبقاً عند زمن ماريا.
رغم الجاذبية الأدبية، أثار هذا التفصيل تساؤلات حول ما إن كانت مجرد خيال أدبي أو حقيقة تاريخية، وهو أحد أبرز جوانب الجدل حول كتاباتها.
مسيح فالتورتا الذي لم تكتبه الأناجيل
يظهر يسوع في كتابات ماريا فالتورتا كشخصية حاضرة وحيّة تتفاعل وتناقش وتشرح، مما يضفي على النص بعداً أدبياً مختلفاً عن شهادة الأناجيل التي تركز على الأبعاد الدينية واللاهوتية.
يبرز هذا الاختلاف في أن الأناجيل المعتمدة لا تهدف إلى سرد تفاصيل الحياة اليومية ليسوع، بل تقديم شهادة دينية، فيما فالتورتا تقدم سرداً تفصيلياً يتجاوز النصوص الرسمية إلى مشاهد شخصية وحوارات جديدة.
يرجع الجدل حول هذه النصوص إلى كون المسيحية منذ بداياتها شهدت على نصوص عديدة تدعي رؤى وتعاليم خاصة، لكنها لم تُدرجها الكنيسة رسمياً، ولذلك تبقى مهمة التمييز بين الوحي الإلهي والاختبارات الروحية الفردية مهمة في تقييم كتب مثل أعمال فالتورتا.
يجد بعض القراء في تفاصيل الكتاب استجابة لرغبة إنسانية عميقة في معرفة ما لم يُسجل في الأناجيل، مثل وصف وفاة القديس يوسف الذي لا تذكره النصوص الرسمية، مما يعطي العمل بعداً إنسانياً وشخصياً مكثفاً في سرد الحياة المسيحية.
هل كانت فالتورتا تعرف ما تكتب؟
أحد أكثر التساؤلات إثارة للجدل هو مدى وعي ماريا فالتورتا بحجم وغزوّ عملها، إذ يرى مؤيدوها أن كتابتها الكمية وتفاصيلها تعجز عن أن تكون مجرد نتاج أدبي، خصوصاً في ظل ظروفها الصحية التي قلصت من إمكانيات بحثها.
كانت ماريا تصف كتابتها أنها تبدأ برؤية وكتابة دون تصور مسبق، وفي أحيان أخرى تتوقف الرؤى فجأة، معبرة عن عدم معرفتها بما ستكتبه، ما يدفع البعض لاعتبار تجربتها روحية في أساسها.
يشير الباحث لافيير إلى أن سرد ماريا يحتفظ بإطار تاريخي وجغرافي محدد بفلسطين تحت الحكم الروماني بين 20 قبل الميلاد و40 بعده، مع شخصيات وأحداث تتوافق إلى حد ما مع الأناجيل التقليدية، إلى جانب إضافات قد يراها البعض خيالاً أدبياً.
أكد الأب فرانسوا بول دريفوس، نقلاً عن دراسة لافيير، أنه تأثر بوجود أسماء مدن نادرة الظهور في نصوص الإنجيل والمعروفة فقط للخبراء، ما دعاه للتساؤل عن إمكانية وصول فالتورتا إلى هذه المعرفة إلا عبر ما تعتبره استعلانات أو وحي خاص.
تحريم الكتاب ومنعه
لم يكن الجدل على كتاب فالتورتا جديداً، ففي 1959 أدرجت الكنيسة الكاثوليكية عملها في فهرس “الكتب المحظورة”، ونُشر إعلان ذلك في صحيفة الفاتيكان الرسمية “لوسرفاتوري رومانو” في يناير 1960، مع تعليق ينتقد العمل ويصفه بأنه “رواية روائية رديئة”.
نص الإعلان الخاص بحظر الكتاب أوضح أن العمل مجهول المؤلف ويحمل عنوان “قصيدة الإنسان-الإله”، ويضم أربعة مجلدات صدرت عبر دار إميلو بيساني، وكان قرار إدراجه فُصل في دائرة العقيدة المقدس بالفاتيكان عام 1960.
عند إلغاء فهرس الكتب المحظورة، لم يعني ذلك رفع الحظر أو اعتماد النصوص ذاتها، لذا ظلت كتابات فالتورتا محط جدل في الوسط الكاثوليكي، مع استمرار التساؤل حول طبيعتها ومدى مشروعيتها.
الفاتيكان يحسم الجدل
في 22 فبراير 2025، أصدرت دائرة العقيدة في الفاتيكان بياناً رسمياً بشأن كتابات ماريا فالتورتا، أشارت فيه إلى تلقي الكرسي الرسولي طلبات توضيح من كهنة وعلمانيين بشأن موقف الكنيسة من أعمالها، وبخاصة “قصيدة الإنسان-الإله” المعروف الآن بعنوان “الإنجيل كما أوحي به إليّ”.
أكد البيان أن ما يوصف بالرؤى والاستعلانات التي وردت في كتابات فالتورتا لا يمكن اعتبارها من مصدر خارق للطبيعة، بل يجب النظر إليها كأشكال أدبية اعتمدتها الكاتبة لسرد حياة المسيح بأسلوبها الخاص.
وشدد البيان على أن الكنيسة لا تقبل الأناجيل المنحولة والنصوص المشابهة كنصوص معيارية، ولا تعترف بها كوحي مباشر من الله، مع توجيه القارئ إلى التمسك بالنصوص الإنجيلية الموحى بها والمأمونة في القراءة.
تبقى ماريا فالتورتا حالة مميزة في تاريخ الكتابات المسيحية الحديثة، ليس فقط بسبب ضخامة عملها، بل لأن كتاباتها تعكس رغبة إنسانية دائمة في الاقتراب من المسيح بعيون تتجاوز الكلمات الرسمية لتكشف عن عالم لم يُسرد، وما زالت هذه الأسئلة حول المقدّس والسرد الأدبي، والوحي والرؤية الشخصية، ترافق أعمالها منذ نشرها وحتى اليوم.



