أخبار العالم

لماذا ترفض الصين خفض أسعار الفائدة رغم تباطؤ الاقتصاد؟


الاقتصاد الصيني

رغم تباطؤ وتيرة نمو الاقتصاد، تتجه الصين إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرجعية على الإقراض دون تغيير للشهر الرابع عشر على التوالي، في وقت يواجه فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم تحديات متزايدة تتمثل في ضعف الطلب المحلي، مقابل استمرار قوة الصادرات.

وأظهر استطلاع أجرته وكالة «رويترز» شمل 23 محللاً أن جميع المشاركين يتوقعون تثبيت سعر الفائدة الأساسي على القروض لأجل عام عند 3%، وسعر الفائدة لأجل خمس سنوات عند 3.5%، رغم تباطؤ نمو الاقتصاد خلال الربع الثاني من العام إلى 4.3% على أساس سنوي، وهو أبطأ معدل في أكثر من ثلاث سنوات.

ويثير هذا التوجه تساؤلات حول أسباب امتناع بكين عن استخدام خفض أسعار الفائدة كأداة لتحفيز الاقتصاد، كما تفعل العديد من البنوك المركزية في فترات تباطؤ النمو.

ويرى محللون أن الأزمة الممتدة في قطاع العقارات تمثل أحد أبرز العوامل التي تحد من فعالية خفض الفائدة. فالقطاع، الذي كان لسنوات محركاً رئيسياً للنمو، يعاني من تراجع الطلب على المساكن وانخفاض الأسعار، ما أضعف شهية الأسر للاقتراض، بغض النظر عن انخفاض تكلفة التمويل.

كما أدى تراجع أسعار العقارات إلى تقليص ثروات الأسر، ودفعها إلى زيادة الادخار بدلاً من الإنفاق، فيما يعرف بـ«تأثير الثروة السلبي». ويشير البنك الدولي إلى أن استمرار تصحيح أوضاع القطاع العقاري، إلى جانب ضعف ثقة المستهلكين، يواصل الضغط على النمو الاقتصادي والاستهلاك الخاص.

وبالتالي، فإن خفض الفائدة قد يجعل القروض أقل تكلفة، لكنه لن يكون كافياً لإعادة تنشيط سوق الإسكان أو دفع الشركات إلى توسيع استثماراتها في ظل استمرار ضعف الطلب.

وفي الوقت نفسه، يظل الاستهلاك المحلي الحلقة الأضعف في الاقتصاد الصيني، رغم الأداء القوي نسبياً للصادرات والاستثمارات في الصناعات المتقدمة. ويصف اقتصاديون هذا المشهد بأنه نمو على شكل حرف «K»، حيث تحقق قطاعات مثل التكنولوجيا والصادرات مكاسب واضحة، بينما تستمر قطاعات أخرى، وعلى رأسها العقارات، في التراجع.

ولهذا السبب، ترى بكين أن معالجة ضعف الطلب تتطلب استعادة ثقة الأسر وتحسين أوضاع سوق العمل، أكثر من الاعتماد على خفض أسعار الفائدة وحده.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الصيني قد ينمو بنسبة 4.4% في عام 2026، مع استمرار الضغوط الناتجة عن ضعف الطلب المحلي وتباطؤ الاستهلاك، في ظل استمرار إعادة هيكلة سوق العقارات وتراجع أرباح بعض الشركات.

في المقابل، يواصل قطاع التصدير لعب دور رئيسي في دعم الاقتصاد، إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بالصناعات عالية التقنية. إلا أن الاعتماد المتزايد على الصادرات يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتوترات التجارية والرسوم الجمركية وتقلبات الطلب العالمي.

كما تخشى السلطات الصينية أن يؤدي خفض الفائدة إلى زيادة الضغوط على اليوان وخروج رؤوس الأموال، في وقت تسعى فيه إلى الحفاظ على استقرار العملة والأسواق المالية.

وبدلاً من اللجوء إلى خفض واسع للفائدة، تفضل بكين استخدام أدوات أكثر استهدافاً، مثل زيادة الإنفاق الحكومي، ودعم قطاعات محددة، وتعزيز السيولة في النظام المالي، بما يحقق أثراً مباشراً على النشاط الاقتصادي دون التوسع في الديون أو تغذية فقاعات الأصول.

ويرى خبراء أن تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي ورفع مستويات الدعم المقدم للأسر قد يكون أكثر فاعلية في تحفيز الاستهلاك، من خلال تقليص الحاجة إلى الادخار الاحترازي وتشجيع الإنفاق.

ولا يقتصر تأثير قرار تثبيت الفائدة على الاقتصاد الصيني فحسب، بل يمتد إلى الأسواق العالمية، نظراً إلى مكانة الصين كأكبر مستهلك للعديد من السلع الأساسية. فأي تباطؤ في نشاطها الصناعي أو العقاري قد ينعكس على الطلب العالمي على النفط والمعادن، في حين يواصل قطاعا التكنولوجيا والطاقة النظيفة دعم الطلب على بعض المواد الخام.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو بكين أكثر ميلاً إلى إعادة هيكلة اقتصادها تدريجياً، بهدف تقليل الاعتماد على العقارات والصادرات، وتعزيز دور الاستهلاك المحلي كمحرك رئيسي للنمو.

ويرى مراقبون أن السؤال لم يعد مرتبطاً بموعد خفض أسعار الفائدة، بل بقدرة الصين على استعادة ثقة الأسر والشركات وتحقيق توازن اقتصادي مستدام دون اللجوء إلى موجة جديدة من الديون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق