السودان يشكل لجنة تحقيق في ملابسات قصف منطقة الدهّابة الحدودية مع مصر

بعد أن قضى يوماً كاملاً وسط أجواء من الرعب ودوي الانفجارات في التضاريس الجبلية الصعبة، تمكن الشاب السوداني بحر الدين محمد من الوصول إلى سوق “الأنصاري” الصحراوي النائي في شمال السودان، وهو موقع لجأ إليه عشرات المنقبين عن المعادن، المعروفين بـ”المعدّنين”، هرباً من القصف الجوي الذي تعرضت له المنطقة الحدودية المتاخمة لمصر، الجمعة الماضية.
بحسب شهادة بحر الدين لـ”بي بي سي”، فقد شهد تحليق طائرتين حربيتين في أجواء منطقة الجبل الأحمر الحدودية مع مصر، تلا ذلك شن غارة جوية استهدفت مباشرة موقع نشاطات التعدين.
وأضاف أن الضربة التي نفذتها الطائرة أودت بحياة 35 معدّناً فوراً، بينما فر الناجون ركضاً في الصحراء، وقُتل أكثر من 20 آخرين أثناء محاولاتهم للإجلاء بسبب إصاباتهم البالغة.
وتتطابق شهادته مع إفادات مصادر محلية أكدت مقتل وإصابة عشرات المعدنين في قصف جوي استهدف منجم العقيدات القريب من سوق الأنصاري في منطقة شمال الوادي، مع استمرار تضارب الأرقام، دون الإعلان عن حصيلة رسمية دقيقة، لكن وجود قتلى ومصابين بين المعدنين بات مؤكداً.
وأوضح منقبون في المنطقة أن سيارات الدفع الرباعي الخاصة بالمعدّنين قامت بنقل عشرات الجرحى والقتلى عبر دروب صحراوية وعرة إلى نقاط طبية قريبة، وسط غياب تام لمراكز الرعاية الصحية أو الإسعافات العاجلة، مما يرفع احتمال زيادة أعداد القتلى نظراً لشدة الإصابات وخطورتها.
اتهامات للجانب المصري وبيان سوداني متأخر
اتهم عدد من المنقبين القوات المصرية بشن غارات جوية داخل الأراضي السودانية، نتيجة اقتراب أعمال التنقيب الأهلي والآبار الجديدة من نقاط حدودية حساسة، في حين لم يصدر أي تعليق فوري من الجانب المصري على هذه الاتهامات.
وبعد مرور ثلاثة أيام على الحادثة، أصدر مجلس السيادة الانتقالي السوداني بياناً أكد فيه أن رئيس المجلس، عبد الفتاح البرهان، قرر تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية المعنية، للتحقيق في ملابسات ما وصفه بـ”الحادث الأليم”، وجمع التفاصيل ورفع تقرير بنتائج التحقيق.
وأشار البيان إلى استمرار التواصل بين قيادتي مصر والسودان فور وقوع الحادث لضمان حماية الأرواح والحفاظ على العلاقات بين الشعبين، ومعرفة ملابسات الحادث وإطلاع الرأي العام على الحقائق.
وفي اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوداني محيي الدين سالم، أكد الطرفان الاحترام المتبادل بين البلدين، بما يشمل احترام سيادة كل دولة ووحدة أراضيها، وفق بيان وزارة الخارجية المصرية الصادر اليوم الاثنين.
ومع ذلك، لم يتضمن البيان أي إشارة مباشرة إلى الاتهامات الموجهة لمصر، التي لم تصدر عن السلطات المصرية أي تعليقات رسمية حتى الآن.
تأتي هذه التطورات في سياق حادثات مماثلة شهدتها المنطقة في يونيو الماضي، حين أفيد بأن الجيش المصري نفذ هجمات أسفرت عن قتلى وجرحى بين المعدنين، فيما أوضح الجيش المصري أنه نظم حملات أمنية موسعة على الحدود الجنوبية لمكافحة شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية والتنقيب غير القانوني عن الذهب، ومصادرة معدات واعتقال المخالفين، دون ذكر استخدام طائرات حربية أو عمليات قصف.
تناقلت معلومات غير رسمية أن السلطات المصرية وزعت منشورات قبل أيام من قصف الجمعة تحذر الموجودين في شمال الوادي من خطورة البقاء في مناطق معينة، مشيرة إلى حملة أمنية لمكافحة التنقيب غير القانوني لحماية ثروات الشعب المصري.
وكان البرهان قد زار المنطقة إثر أحداث يونيو الماضي، مطالباً المعدنين بعدم تجاوز الحدود السودانية إلى الأراضي المصرية، لكن نداءه لم يلق استجابة من المنقبين.
ردود فعل حادة وإدانات حقوقية وسياسية
أثارت التقارير عن مقتل عشرات المعدنين في قصف شمال الوادي موجة واسعة من ردود الفعل والتنديدات من كيانات سياسية ومنظمات حقوق الإنسان في السودان، فقد أدانت مجموعة “محامو الطوارئ” وشبكة أطباء السودان القصف، وطالبا بفتح تحقيق عاجل ومستقل، معتبرين الحادث انتهاكاً للسيادة والقانون الدولي الإنساني قد يرتقي إلى جريمة حرب أو عدوان.
كما أدان تحالف سياسي يقوده رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك الغارات، مطالباً السلطات السودانية باتخاذ موقف واضح وإجراءات صارمة لحماية المواطنين، واعتبر صمت الجهات الرسمية تجاه الاعتداءات المتكررة أمراً غير مقبول، محملاً الجانب المصري المسؤولية المباشرة عن مقتل المعدنين داخل الأراضي السودانية.
وقد دان تحالف السودان التأسيسي الموازي للحكومة والتابع لقوات الدعم السريع ما حدث، وحمّل الحكومة المصرية مسؤولية قتل المدنيين.
وعبر منصات التواصل الاجتماعي، انتشرت موجة غضب متزايدة من مستخدمين سودانيين، حيث تداول المنقبون والناشطون صوراً ومقاطع مصورة قالوا إنها تظهر جثامين الضحايا وآثار الدمار والتخريب الذي لحق بمخيمات المنقبين ومعداتهم في عمق الصحراء.
وعبر آلاف المتابعين عن حزنهم تجاه أوضاع المعدنين الذين فرّوا من النزاع المسلح والأجواء القاسية في السودان، مطالبين بتدخل دولي فوري لحماية هذه الفئات وتأمين الحدود بما يحفظ الأرواح والكرامة الإنسانية.
تقع منطقة منجم العقيدات، المعروف محلياً بـ”جبل العيقاد”، وسوق الأنصاري في أقصى التّخوم الصحراوية لشمال السودان ضمن نطاق جغرافي معقد هو “وادي العلاقي” الممتد عبر الحدود السودانية المصرية عند خط عرض 22 درجة شمالاً.
تتشابك في هذا الشريط الصحراوي النائي أودية جافة ودروب جبلية تخلو من العلامات الحدودية الواضحة، مما يزيد من عزلته ويصعب إيصال الإمدادات الطبية أو الإغاثية إليه، وسط ظروف مناخية صحراوية قاسية تبعد المنطقة أكثر من 200 كيلومتر شمال مدينة أبو حمد، وحوالي 350 كيلومتراً عن مدينة عطبرة.
تتسم مناطق التعدين في شمال السودان مثل جبل العيقاد وسوق الأنصاري ووادي العلاقي بتداخل جغرافي معقد للسلاسل الجبلية الممتدة بين الحدود السودانية والمصرية، مع غياب علامات حدودية واضحة، ما يعرض المنقبين للوقوع في مناطق نزاع وحدودي مع تشويش في الترسيم الميداني.
التعدين الأهلي شريان الاقتصاد في زمن الحرب
تسلط هذه الأحداث الضوء على قطاع التعدين التقليدي في السودان، الذي يعد شرياناً اقتصادياً مهماً وعموداً فقرياً لحياة ملايين المواطنين، حيث يستوعب هذا القطاع غير المنظم في الظروف الاعتيادية نحو ستة ملايين عامل في مختلف أقاليم البلاد، من ولاية نهر النيل والولاية الشمالية مروراً بالبحر الأحمر وكسلا وصولاً إلى دارفور وكردفان، ويطلق على المنقبين محلياً لقب “الدهابة”.
ومع اندلاع الصراع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، شهد قطاع التعدين نزوحاً جماعياً واسعاً نحو العمل فيه، إذ اتجه ملايين الفارين من معارك الخرطوم والمدن الأخرى إلى مناطق التنقيب والآبار الصحراوية النائية طلباً للدخل الذي يؤمن بقاء أسرهم، ما أدى إلى تضاعف أعداد العاملين في هذا المجال الشاق بسرعة كبيرة.





