د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

إسرائيل والإمارات تعمقان علاقتهما وإيران تعبر عن قلقها من التطورات في المنطقة

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

أثارت الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي في 27 سبتمبر/أيلول، موجة كبيرة من الشكوك في طهران تجاه الإمارات العربية المتحدة.

فقد اعتبرت وسائل الإعلام والمسؤولون الإيرانيون هذا اللقاء دليلاً جديداً على نمو الشراكة الأمنية بين إسرائيل والإمارات ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

تفاقمت هذه المخاوف بعد فترة الحرب الأخيرة التي شهدت استهداف إيران المتكرر لمصالح أمريكية في الإمارات، إلى جانب ضربات لأصول البنية التحتية الإماراتية الخاصة بقطاع الطاقة.

ويتجاوز حجم التوترات الحالية مجرد النزاع الجاري، إذ تلعب عوامل عدة دوراً في تعقيد العلاقة بين طهران وأبوظبي، منها قرب الإمارات من إيران والمضيق الاستراتيجي لهرمز، والنزاع طويل الأمد حول ثلاث جزر في الخليج، إلى جانب الروابط الاقتصادية المتشابكة بين الطرفين التي تجمع بين تبادل اقتصادي واسع وانعدام ثقة عميق.

لماذا أثارت زيارة نتنياهو غضب طهران

عقب اجتماع نتنياهو بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، حذّر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي دول المنطقة من أن السماح لإسرائيل باستخدام أراضيها لاستهداف إيران قد يؤدي إلى “عواقب بالغة الخطورة”.

بدوره، كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي أكثر وضوحاً، إذ قال إن استضافة قواعد عسكرية أمريكية لم تجلب الأمن للإمارات، وإن استضافة “جزار غزة” (في إشارة إلى نتنياهو) لن تفضي إلى نتائج طيبة أيضاً، داعياً دول المنطقة إلى وقف “الادعاءات التي لا أساس لها” بشأن “الجزر الخليجية الثلاث التابعة لإيران”.

ويعود ذكر الجزر الثلاث إلى ما قبل عدة أيام من الزيارة، حين جددت الإمارات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مطالبها بالجزر التي تسيطر عليها إيران، وهي أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، لترد إيران مجدداً بأن سيادتها عليها “ليست مفتوحة للتفاوض”.

ولم تقتصر ردود الفعل على التصريحات الرسمية، فقد اعتبرت صحف إيرانية أبوظبي “شريكاً صهيونياً” ووصفتها صحيفة “وطن أمروز” بأنها تقوم بدور “جنود المشاة” لما وصفته بـ”ترامب وبيبي”، في إشارة إلى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي.

كما قدمت وسائل إعلام أخرى الإمارات على أنها تسهل تنسيقات أمنية بقيادة إسرائيل ضد إيران، وتوقعت أن الاجتماع قد يُفضي إلى تحالف أمني إقليمي أوسع.

لماذا تركز طهران على الإمارات

يرجع تركيز إيران على الإمارات بشكل مباشر إلى الموقع الجغرافي للإمارات التي تقع مقابل إيران عبر الخليج، وتجاورها مضيق هرمز الحيوي الذي يعتبر ممرّاً مهماً عالمياً للطاقة، ويتوسط الصراع بين الولايات المتحدة وإيران حالياً.

وتستضيف أبوظبي بنية تحتية عسكرية غربية كبيرة، كما طورت موانئ ومسارات بديلة حول مضيق هرمز، لا سيما في الفجيرة، مما يشكل تحدياً أمنياً لطهران.

وأثناء الحرب، اتهم مسؤولو إيران دول الخليج بالسماح لاستخدام أراضيها ومجالاتها الجوية ومنشآتها العسكرية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في التخطيط لإجراءات عدائية ضد إيران، وهو ما قرأ بقائي من خلاله أن “المناطق المجاورة على الساحل الجنوبي للخليج الفارسي” استُخدمت للتحضير لهجمات ضد طهران.

وردت إيران بشن هجمات متكررة بطائرات مسيرة وصواريخ على أهداف في الإمارات، شملت قواعد أمريكية وبنية تحتية مدنية وخاصة في قطاع الطاقة، إذ رأى مسؤولو إيران في هذه الضربات رد فعل على منشآت عسكرية شاركت في الهجمات ضد أراضيهم، بينما رفضت الإمارات وحكومات أخرى هذه التبريرات.

وعليه، أضافت الحرب مزيداً من أسباب الشك لدى إيران بأن الإمارات لا تقتصر على استضافة القوات الأمريكية فحسب، بل إن علاقاتها تتطور لتصبح جزءاً من شبكة أمنية مشتركة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل.

ما دور الجزر الخليجية و”الاتفاقيات الإبراهيمية”

يرجع النزاع حول الجزر الإماراتية الثلاث إلى عقود مضت قبل بدء التطبيع بين إسرائيل والإمارات.

وتعتبر إيران هذه الجزر جزءاً لا يتجزأ من أراضيها ولا تقبل التفاوض بشأنها، بينما تصر الإمارات على أن الجزر تُعد أراضيها التي تحتلها إيران، وتدعو إلى التفاوض أو اللجوء للتحكيم الدولي، مدعومة في ذلك من دول عربية كبرى وخصوصاً السعودية.

وفي منشور على منصة إكس بتاريخ 3 أكتوبر/تشرين الأول، أكد علي أكبر ولايتي مستشار الشؤون الدولية للمرشد الأعلى الإيراني أن دولة الإمارات التي لم تُكمل نصف قرن من عمرها السياسي، تتقدم بادعاءات على جزر سجّلت كإيرانية في وثائق وخرائط تاريخية تعود لقرون، مجدداً التأكيد على سيادة إيران على تلك الجزر وانتقاد استضافة الإمارات لنتنياهو.

وتفاقمت مشاعر التهديد الإيرانية بسبب اتفاقيات “الإبراهيمية” التي وقّعت عام 2020، إذ أدان المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي الاتفاقية بشدة واعتبرها خيانة للعالم الإسلامي والعربي ودول المنطقة والقضية الفلسطينية، واعتبر أن الإمارات سمحت بتمكين إسرائيل من “وضع قدم لها في المنطقة”، وهو الموقف الذي ما زال يشكل أساس الخطاب الإيراني الحالي تجاه ما وصفه بـ”إسرائيل الثانية”.

وبالرغم من التحديات التي واجهت الاتفاقيات، لا سيما عقب حرب غزة في 2023، فإن طهران ترى في التطبيع العربي الإسرائيلي سابقة خطيرة تكتسب وزنًا سياسياً في سياق المنافسة الإقليمية حول أمن الخليج.

ووصف موقع “بارس تودي” المرتبط بالدولة الإيرانية العلاقة بين الإمارات وإسرائيل بأنها تجاوزت البعدين الدبلوماسي والاقتصادي إلى مجال التعاون “الأمني والاستخباراتي والعسكري”، مدعياً وجود تنسيق استخباراتي إسرائيلي إماراتي خلال صراع عام 2026، وهو ما أثاره مشرّعون ومعلقون علنًا أيضاً.

عندما يشكل الاعتماد الاقتصادي معضلة استراتيجية

تتمثل المعضلة الكبرى في العلاقة بين إيران والإمارات في تداخل الخصومة الأمنية مع الشراكة الاقتصادية المهمة.

فإلى جانب كونهما خصمين أمنيين، يشكل البلدان شركاء اقتصاديين أساسيين، حيث تعد دبي بوابة تجارية حيوية لإيران، وخاصة في ظل العقوبات الدولية المتشددة، إذ تشكل الأسواق الإماراتية مركزاً لواردات إيران وإعادة التصدير والمعاملات المالية الحيوية.

وفي تقرير لوكالة “تسنيم” في مايو/أيار، قدّرت التجارة غير الرسمية بين إيران والإمارات بحوالي 16 مليار دولار، مع مرور نسبة كبيرة من واردات إيران الأساسية عبر قنوات إماراتية.

وظلت العلاقات الاقتصادية صامدة رغم سنوات التوتر السياسي، إلا أن الحرب عطّلتها بشكل كبير، إذ أعلنت الإمارات في أغسطس/آب، تعليق جميع الأنشطة التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

وهكذا تصبح المعضلة الاستراتيجية لطهران أكثر تعقيداً، إذ رغم وصف المتشددين الإيرانيين أبوظبي بأنها “قاعدة معادية” أو “إسرائيل الثانية”، خصوصاً عند استقبال القادة الإسرائيليين، تظل الإمارات قريبة جغرافياً ومهمة للاقتصاد الإيراني ومنخرطة بعمق في النظام التجاري الإقليمي الذي تعتمد عليه طهران بالأصل.

قد يفسر ذلك القلق الإيراني من جانب، لكن في المقابل يدعو الخطاب الإيراني أبوظبي إلى الابتعاد عن واشنطن وتل أبيب، مع التأكيد أن الحسابات الإيرانية الأوسع لا تقتصر على زيارة نتنياهو الأخيرة فقط، وإنما تتعلق بالتحول المحتمل للإمارات إلى جزء دائم من هيكل أمني تقوده إسرائيل، وهو الهيكل الأمني الذي تبذل طهران جهوداً مكثفة لتفكيكه، وإلى مدى إمكانية تحدي الإمارات لهذا التحول دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية والدبلوماسية.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin