أخبار العالم

أحمد صبور يرسم خريطة العقار الجديدة.. 5 مليارات دولار صادرات و60 ألف غرفة تعيد تشكيل الساحل الشمالي

صفاء لويس – مصطفى الخطيب

تصدير العقار المصري ارتفع ثلاثة أضعاف من 500 مليون دولار إلى 1.5 مليار دولار خلال ثلاث سنوات فقط

الساحل الشمالي يحتاج إلى إضافة 60 ألف غرفة فندقية جديدة لمواكبة النمو الكبير في الطلب السياحي بالمنطقة

تكلفة الإنشاء ارتفعت بأكثر من 15% خلال فترة قصيرة نتيجة تداعيات الحرب واضطراب الطاقة والغاز وإمدادات مواد البناء

5 مليـارات دولار مستهدفة من تصدير العقار المصرى خلال السنوات الثلاث المقبلة لدعم موارد العملة الأجنبية

القطاع العقاري يساهم بنحو 20% من الناتج القومي المصري بما يعكس ثقله الكبير وتأثيره المباشر في الاقتصاد الوطني

القطاع العقاري يوفر ما بين 5 و6 ملايين فرصة عمل للمصريين ويؤكد مكانته كأحد أكبر القطاعات كثافة بالتشغيل

الاستثمار العقاري يحتاج خطة تمتد 3 أو4 سنوات على الأقل وصبور يرفض اعتباره طريقًا سريعًا لتحقيق الثروة

تكلفة الإنشاء ارتفعت بأكثر من 15%.. والمطور العقاري ليس شركة تمويل والعودة لتقسيط 4 و5 سنوات ضرورة

تمضي السوق العقارية المصرية نحو مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها وأدواتها عن المراحل التي صنعت طفرتها خلال العقود الماضية؛ فلم تعد المنافسة تدور فقط حول الحصول على الأرض وطرح المشروعات وتحقيق المبيعات، وإنما أصبحت قدرة المطور على قراءة التحولات الاقتصادية، وإدارة السيولة، والحفاظ على معدلات التنفيذ، وابتكار المنتجات، والوصول إلى أسواق جديدة، عوامل حاسمة في تحديد الشركات القادرة على الاستمرار والنمو.

وفي قلب هذه التحولات، يقدم المهندس أحمد صبور، رئيس مجلس إدارة شركة الأهلي صبور للتنمية العقارية، خلال برنامج الدرجة الأولى على قناة العربية، رؤية تمتد من تجربة شركة تأسست عام 1994 إلى قراءة مستقبل صناعة تمثل، وفق تقديراته، نحو 20 % من الناتج القومي وتوفر ما بين 5 و6 ملايين فرصة عمل وترتبط بنحو 100 صناعة أخرى.

ولا ينظر صبور إلى ما تشهده السوق حاليًا باعتباره أزمة في الطلب بقدر ما يراه مرحلة تفرض على الشركات إدارة مختلفة للسيولة والتكاليف والتمويل. فالطلب الحقيقي، من وجهة نظره، لا يزال قائمًا في سوق يصل تعدادها السكاني، وفق الأرقام التي استند إليها في الحوار، إلى نحو 120 مليون نسمة، وكانت تعاني قبل سنوات عجزًا يقدر بنحو 4 ملايين وحدة سكنية، بينما تستقبل نحو مليوني مولود سنويًا، بما يعني إضافة ما يقرب من 10 ملايين نسمة كل خمس سنوات. ولذلك يرفض صبور الحديث المتكرر عن «فقاعة عقارية» في مصر، معتبرًا أن حجم الاحتياج الفعلي للسكن يجعل السوق مختلفة عن الأسواق التي تشهد تضخمًا في المعروض دون وجود طلب حقيقي قادر على استيعابه.

لكن قوة الطلب لا تعني غياب التحديات. فالسوق تتحرك في بيئة إقليمية ودولية مضطربة، وأصبحت تكلفة البناء أكثر حساسية لتغير أسعار الطاقة والغاز وحركة الإمدادات. ويشير صبور إلى أن تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز رفعت تكلفة الإنشاء بأكثر من 15 % خلال فترة قصيرة، وهي زيادة لا يمكن تمريرها بالكامل إلى المشتري، بما يدفع المطور إلى تحمل جزء منها من خلال خفض هامش أرباحه، في الوقت الذي ينعكس فيه الجزء الآخر على السعر النهائي للوحدة.

وبين الطلب الكبير والتكلفة المرتفعة، تظهر قضية التمويل كأحد أكثر الملفات إلحاحًا. وهنا يتخذ صبور موقفًا واضحًا؛ فالمطور العقاري، بحسب رؤيته، تحول تدريجيًا إلى ممول للعميل نتيجة امتداد فترات التقسيط، رغم أن وظيفته الأصلية هي التطوير وليس القيام بدور شركة التمويل العقاري. صحيح أن آجال السداد الطويلة ساعدت السوق على امتصاص الزيادات السعرية والحفاظ على القدرة الشرائية للعملاء، لكنها في المقابل نقلت جزءًا كبيرًا من عبء التمويل إلى ميزانيات المطورين. لذلك يدعو إلى الوصول مجددًا إلى نموذج أكثر توازنًا تعود فيه فترات السداد إلى 4 أو 5 سنوات، بينما تتولى المؤسسات التمويلية المتخصصة مسؤوليتها الطبيعية في تمويل العميل.

وفي موازاة ذلك، يلفت صبور إلى تحول استثنائي يشهده الساحل الشمالي، الذي انتقل في رؤيته من مجرد منطقة موسمية للمصيف و«المسكن الثاني» إلى منطقة أصبحت تمثل «مسكنًا أول» لدى شريحة متزايدة من المشترين. وهذا التحول لا يرتبط فقط بالزيادة الكبيرة في عدد المشروعات، وإنما بحجم استثمارات الدولة في البنية الأساسية والطرق والكهرباء والمياه، إلى جانب الاستثمارات الخاصة التي أضافت الخدمات والترفيه والمطاعم ومختلف عناصر الحياة ومع هذا النمو، تظهر فجوة جديدة يقدرها صبور بنحو 60 ألف غرفة فندقية يحتاج الساحل إلى إضافتها بمستويات متنوعة، من الفنادق الخمس والأربع نجوم إلى الفئات الأقل، حتى يستطيع استيعاب الطلب وتحويل النمو العقاري إلى حركة سياحية وتشغيلية ممتدة.

ولا يتوقف طموح القطاع عند السوق المحلية فالمطور المصري، بعد عقود من تراكم الخبرات، أصبح قادرًا على التحرك خارج الحدود، بينما بدأ «تصدير العقار» يتحول إلى أحد المصادر المحتملة للعملة الأجنبية ويشير صبور إلى ارتفاع حجم مبيعات العقارات لغير المصريين من نحو 500 مليون دولار قبل ثلاث سنوات إلى نحو 1.5 مليار دولار حاليًا، مستهدفًا إمكانية الوصول إلى 5 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة. بالنسبة إليه، فإن تحقيق هذا المستهدف يضع العقار إلى جانب الصناعة والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج وإيرادات قناة السويس كأحد الروافد القادرة على دعم موارد الدولة من العملات الأجنبية.

من شراكة مصرفية إلى كيان صنع عشرات الشركات

بدأت قصة «الأهلي صبور» عام 1994 في إطار نموذج يقوم على الجمع بين رأس المال والخبرة ويوضح أحمد صبور، أن البنك الأهلي المصري كان في تلك المرحلة يتجه إلى تأسيس عدد كبير من الشركات في قطاعات متنوعة، على أن يشارك فيها إلى جانب متخصصين يمتلكون المعرفة الفنية والخبرة اللازمة لإدارة النشاط. ومن هنا جاءت الشراكة مع عائلة صبور مستفيدة من العلاقة المهنية التي جمعت الراحل محمود عبد العزيز بالمهندس حسين صبور، لتولد شركة تجمع بين القدرة التمويلية والخبرة العقارية.

وكان أحمد صبور في ذلك الوقت يدير النشاط العقاري للأسرة، وشارك في قرار تأسيس الشركة، التي انطلقت عام 1994 ثم توسعت على مدار أكثر من ثلاثة عقود في مناطق مختلفة داخل السوق المصرية. ولم تقتصر نتيجة هذه التجربة على نمو الشركة نفسها، إذ يؤكد صبور أن نحو 40 شركة خرجت من رحم «الأهلي صبور»، وأن عددًا منها لم يعد يعمل في السوق المصرية فقط، بل تحرك إلى دول أخرى، بما يعكس تأثير التجربة في تكوين كوادر وشركات جديدة داخل الصناعة.

ويرى صبور أن نموذج مشاركة البنوك في الشركات لا يزال صالحًا، باعتبار أن الدور الأساسي للبنك يقوم على توظيف الأموال وتحقيق عائد عليها، وبالتالي يمكن للاستثمار في الشركات بالتعاون مع أصحاب الخبرة أن يكون إحدى أدوات تحقيق ذلك. كما يشير إلى أن هذا النموذج لم يتوقف تاريخيًا، وأن السوق شهدت تأسيس شركات جديدة بالتعاون مع البنوك، بما يؤكد استمرار قدرة الشراكة بين رأس المال المصرفي والخبرة الفنية على صناعة كيانات اقتصادية ناجحة.

«صناعة السوق».. عندما لا ينتظر المطور العميل

لا تعتمد استراتيجية «الأهلي صبور» على انتظار الطلب ثم الاستجابة إليه فقط فالشركة، وفق رئيس مجلس إدارتها، تعمل في اتجاهين متوازيين: الأول قراءة الطلب الموجود بالفعل وتقديم المنتج المناسب له، والثاني صناعة سوق جديدة عندما ترى فرصة يمكن تطويرها ولهذا تعتمد على فريق متخصص في أبحاث السوق يتولى تحليل احتياجات العملاء وتحركات الطلب، ثم بناء المنتجات وفق النتائج التي يصل إليها.

وتجربة برشلونة واحدة من الأمثلة التي يستشهد بها صبور. فلم تكن المدينة الإسبانية ضمن خطط الشركة الأصلية، لكن رصد إقبال المصريين على شراء العقارات هناك دفع الشركة إلى دراسة أسباب هذا الطلب واحتياجات العميل المصري، ثم الدخول إلى السوق وتقديم المنتج الذي يناسبه. وعلى الجانب الآخر، كانت الشركة من أوائل المطورين الذين تحركوا إلى منطقة نبق في شرم الشيخ، كما يؤكد صبور أنها كانت أول مطور يدخل مستقبل سيتي، التي أصبحت اليوم تضم عشرات الشركات، لافتًا إلى أن أول ساكن في المدينة كان داخل أحد مشروعات الشركة.

هذه الفلسفة تكشف عن فارق أساسي بين مطور يلاحق السوق ومطور يحاول صناعتها. فالدخول المبكر إلى منطقة جديدة يحمل مخاطر أعلى، لكنه يمنح الشركة في المقابل فرصة بناء قيمة قبل تحول المنطقة إلى مركز جذب للمنافسين، وهي معادلة تكررت في السوق المصرية أكثر من مرة مع انتقال التنمية من منطقة إلى أخرى.

تباطؤ المبيعات لا يخيف صبور.. لكن السيولة تفعل

يتعامل أحمد صبور مع تراجع معدلات البيع بمنطق مختلف؛ فهو لا يرى أن الوحدة التي لم تبع اليوم تمثل خسارة في حد ذاتها، إذ يمكن بيعها لاحقًا بسعر أعلى، لكن المشكلة التي تصاحب تباطؤ المبيعات تتمثل في انخفاض التدفقات النقدية اللازمة للإنشاء واستمرار تنفيذ المشروعات. ومن هنا تصبح السيولة وليس مجرد رقم المبيعات الاختبار الأكثر أهمية للمطور.

ويحدد صبور ثلاثة مصادر رئيسية لتمويل الشركة: التمويل الذاتي الذي يقدمه المساهمون والتمويل المصرفي، والتدفقات الناتجة عن مبيعات العملاء.وعندما يتعرض اثنان من هذه المصادر أو أحدها لضغوط، يصبح البحث عن بدائل ضرورة لضمان استمرار التنفيذ. وهذه ليست تجربة جديدة على الشركة؛ ففي أواخر التسعينيات تعرضت السوق لتباطؤ تزامن مع تداعيات حرب جنوب شرق آسيا وتراجع التمويلات البنكية، ما دفع الشركة إلى البحث عن أدوات جديدة للسيولة.

وكانت النتيجة، بحسب صبور، أن «الأهلي صبور» أصبحت من أوائل الشركات التي طبقت نموذج التأجير التمويلي على العقارات في مصربالتعاون مع شركة متخصصة، في وقت لم تكن فيه الأداة منتشرة محليًا. ويشير إلى أن الدكتور فاروق العقدة، الذي أصبح لاحقًا محافظًا للبنك المركزي المصري، كان آنذاك رئيسًا للشركة المتخصصة في التأجير التمويلي وصاحب فكرة تنفيذ النموذج، بينما امتلك فريق صبور القدرة الفنية والجرأة على تطبيقه.

الإدارة بالتفويض.. الشركة الأقوى هي التي لا تعتمد على شخص

داخل «الأهلي صبور»، يبني أحمد صبور فلسفته الإدارية على فكرة تبدو للوهلة الأولى عكس ما يسعى إليه كثير من أصحاب الشركات؛ فهو يعتبر أن نجاحه الحقيقي يتحقق عندما تصل المؤسسة إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى وجوده في التفاصيل اليومية. ويؤمن بأن الشركة القوية ليست تلك التي تتوقف قراراتها عند مكتب رئيسها، وإنما المؤسسة التي تمتلك كوادر قادرة على إدارة العمليات واتخاذ القرارات داخل نظام واضح.

لكن التفويض، بالنسبة إليه، ليس مجرد منح الصلاحيات؛ فقبل أن يفوض مسؤولًا، يجب تدريبه وإعداده ومنحه السلطة اللازمة والثقة، ثم متابعة أدائه. وفي الوقت نفسه، يركز صبور على أن تكون العلاقة بين العاملين صحية، وأن يشعر الموظف بالسعادة وهو ذاهب إلى العمل، وأن يمتلك النظام الداخلي القدرة على جعل الإدارات المختلفة تعمل معًا بكفاءة.

ويمتد هذا النهج إلى التعامل مع الأخطاء؛ إذ يقدر صبور أن أكثر من 90% من العاملين معه يتمتعون بالأمانة، ويؤمن بأن الموظف الذي لا يخطئ قد يكون ببساطة شخصًا لا يعمل. لذلك يقبل وقوع الخطأ ويدعم صاحبه في المرة الأولى، لكنه يضع خطًا واضحًا عند تكراره، لأن تكرار الخطأ بالنسبة إليه يتحول إلى قضية ثقة.

حسين صبور.. المسؤولية الأصعب بعد رحيل «العملاق»

وعندما يتحدث أحمد صبور عن أصعب قرار أو مرحلة واجهها خلال السنوات الأخيرة فإنه يعود إلى لحظة وفاة والده المهندس حسين صبور. ففي ذلك الوقت لم يكن أحمد رئيسًا للشركة، وكان والده لا يزال يمثل المرجعية والسند وصاحب الرؤية والخبرة، وبالتالي لم يكن الانتقال إلى تحمل المسؤولية الكاملة اختيارًا إداريًا يمكن تأجيله، بل مسؤولية فرضتها الظروف.

ويصف صبور المقارنة بوالده بأنها كانت في حد ذاتها عبئًا كبيرًا، لأنه كان يقارن نفسه – حسب تعبيره – بـ«عملاق». فالإرث الذي تركه حسين صبور لم يكن اسمًا فقط، وإنما تاريخًا وخبرة ومكانة في الصناعة، وكان على الجيل التالي أن يحافظ عليها ثم يبني فوقها مرحلة جديدة.

20% من الناتج القومي.. صناعة تتجاوز حدود العقار

حين يتحدث صبور عن أهمية العقار للاقتصاد المصري، فإنه يضعه في إطار أكبر كثيرًا من حدود الشركات والمبيعات. ووفق الأرقام التي أوردها، يسهم القطاع بنحو 20% من الناتج القومي، ويوفر ما بين 5 و6 ملايين فرصة عمل، ويرتبط بنحو 100 صناعة أخرى، وهو ما يجعل أي تغير في حركة العقارات ممتد التأثير إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد.

ويرى أن الصناعة المصرية راكمت خبرتها على مدار ما يتراوح بين 40 و50 عامًا تقريبًا، وأن هذه العقود سمحت للمطورين بالتعلم من الأخطاء وتطوير قدراتهم والوصول إلى مستوى من النضج يؤهلهم للمنافسة خارج البلاد. وشركته نفسها تعمل، بحسب حديثه، في برشلونة واليونان وقبرص، إلى جانب الإمارات وسلطنة عمان والسعودية، مشيرًا إلى ما يلقاه المطور المصري من تقدير في تلك الأسواق نتيجة الخبرة والمصداقية التي اكتسبها.

«تاجر الألماس».. المصداقية أهم أصول المطور

ويضرب صبور مثالًا لافتًا لتفسير طبيعة العلاقة بين المطور والعميل، إذ يشبه المطور العقاري بـ«تاجر الألماس». فالمشتري لا يذهب إلى تاجر الألماس لأنه أكثر خبرة منه في تقييم الحجر، وإنما لأنه يثق في خبرته ومصداقيته، والأمر نفسه ينطبق على العقار.

فالعميل قد يشتري وحدة قبل اكتمال بنائها ويدفع جزءًا مهمًا من مدخراته على أساس وعد بالتنفيذ والتسليم بعد سنوات، وبالتالي تصبح الثقة أحد أهم الأصول غير الملموسة لأي شركة عقارية. ومن هنا يرى صبور أن ما راكمه المطور المصري من خبرة ومصداقية يمثل أحد أسباب قوة الصناعة وقدرتها على الاستمرار والتوسع.

4 ملايين وحدة عجزًا.. والزيادة السكانية تحمي الطلب الحقيقي

رفض صبور لفكرة «الفقاعة العقارية» يرتبط مباشرة بقراءته للتركيبة السكانية وحجم المعروض. فالعجز السكني كان يصل، وفق حديثه، إلى نحو 4 ملايين وحدة قبل سنوات، ورغم تراجعه فإنه لا يزال كبيرًا، بينما لا يكفي ما تنتجه الدولة والقطاع الخاص سنويًا لتغطية الاحتياجات الجديدة بالكامل.

ومع تعداد يصل، وفق الأرقام الواردة في الحوار، إلى 120 مليون نسمة، وإضافة نحو مليوني مولود كـــل عـــام، فإن مصـــر تضيــف ما يقرب من 10 ملايين شخص إلى تعدادها كل خمس سنوات. ويشبه صبور ذلك بإضافة «دولة جديدة» تحتاج إلى مساكن ومدارس ومستشفيات وخدمات وفرص عمل، وهي معادلة تجعل الطلب على العمران مستمرًا على المدى الطويل.

الساحل.. 25 عامًا صنعت تحولًا من المصيف إلى المدينة

يتحدث أحمد صبور عن الساحل الشمالي بخبرة تمتد إلى نحو 25 عامًا، منذ دخول شركته إلى سيدي عبد الرحمن في وقت لم يكن كثير من العملاء يعرفون المنطقة، وحتى تحولت اليوم إلى واحدة من أشهر مناطق الساحل. وبالنسبة إليه، فإن النجاح الذي وصلت إليه المنطقة لم تصنعه الطبيعة وحدها رغم امتلاكها البحر والرمال والطقس والقرب النسبي من القاهرة، وإنما كان الاستثمار في البنية الأساسية هو العامل الذي فتح الطريق أمام التنمية العقارية الواسعة.

فالطرق والمياه والكهرباء وتطوير الطريق الساحلي ورفع كفاءته وإنارته وإنشاء محطات الكهرباء وتقليل زمن الرحلة من القاهرة أسست جميعها لبيئة يمكن للقطاع الخاص أن يبني فوقها. وبعد ذلك جاءت المشروعات والخدمات والمستشفيات والمطاعم والترفيه ومناطق الأطفال وغيرها لتصنع منتجًا يتجاوز فكرة الشاطئ والوحدة الصيفية.

والنتيجة، وفق صبور، أن مفهوم الساحل نفسه تغير. فهناك أسر أصبحت عندما تفكر في شراء منزل جديد أو توسيع مسكنها تضع منزل الساحل في مقدمة أولوياتها، وهو ما دفعه إلى وصف التحول بأنه انتقال من «Second Home» إلى «First Home» لدى شريحة من المشترين.

60 ألف غرفة.. فرصة استثمارية جديدة على البحر المتوسط

لكن التحول الكبير في الساحل كشف عن فجوة واضحة في البنية الفندقية. ويقدر صبور أن المنطقة تحتاج إلى نحو 60 ألف غرفة فندقية إضافية، موزعة على مستويات مختلفة تشمل فنادق الخمس والأربع والثلاث نجوم، وليس فقط المنتج الفاخر.

وهذا الرقم يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الاستثمار؛ فاستدامة الساحل لا يمكن أن تعتمد على بيع الوحدات السكنية وحده، وإنما تحتاج إلى زيادة الطاقة الفندقية والخدمات والتشغيل، بما يسمح باستقبال أعداد أكبر من السياح والزائرين وتحويل المنطقة إلى وجهة تمتلك نشاطًا اقتصاديًا أكثر اتساعًا.

تصدير العقار يتضاعف 3 مرات.. والهدف 5 مليارات دولار

ضمن خريطة زيادة موارد مصر الدولارية، يضع أحمد صبور «تصدير العقار» في موقع متقدم إلى جانب الصناعة والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج وإيرادات قناة السويس. ويشير إلى أن حجم بيع العقارات لغير المصريين ارتفع من نحو 500 مليون دولار قبل ثلاث سنوات إلى نحو 1.5 مليار دولار حاليًا، أي تضاعف ثلاث مرات.

ويرى صبور أن مصر تمتلك القدرة على دفع الرقم إلى 5 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، بالتوازي مع رفع عدد السـياح من نحو 20 مليون سائح سنويًا إلى 30 مليونًا. وتحقيق هذا المستهدف يعني أن العقار لن يظل مجرد نشاط يعتمد على القوة الشرائية المحلية، وإنما يمكن أن يتحول بصورة أكبر إلى صناعة تصديرية تجذب تدفقات نقدية أجنبية مباشرة إلى السوق.

ارتفاع تكلفة البناء 15%.. المطور والعميل يتقاسمان الفاتورة

وعلى الرغم من أن صبور يرى أن تأثير الحرب على مبيعات العقارات كان قريبًا من الصفر، فإنه يرصد أثرًا مباشرًا وأكثر خطورة على تكلفة البناء. فإغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من ضغوط على الطاقة والغاز والإمدادات انعكس سريعًا على عناصر التكلفة، لترتفع تكلفة الإنشاء بأكثر من 15 % خلال الفترة القصيرة التي أشار إليها في الحوار.

لكن تحميل المستهلك كامل الزيادة ليس خيارًا مضمونًا؛ فالقدرة الشرائية لها حدود، ولذلك يرى صبور أن الشركات قد تضطر إلى امتصاص جزء من الارتفاع عبر تقليص هوامش أرباحها، بينما ينتقل الجزء الآخر إلى أسعار البيع. وهذه المعادلة تكشف حجم الضغط الذي تواجهه الصناعة عندما ترتفع تكلفة التنفيذ بعد بيع وحدات بعقود تمتد لسنوات.

«المطور ليس شركة تمويل».. إعادة توزيع الأدوار داخل السوق

يضع صبور إصبعه على واحدة من أهم اختلالات النموذج العقاري الحالي: المطور أصبح ممولًا للمشتري. فتمديد آجال السداد كان استجابة منطقية لارتفاع الأسعار ورغبة الشركات في الحفاظ على قدرة العميل على الشراء، لكنه أدى في المقابل إلى تحميل المطور التزامات تمويلية طويلة الأجل لا تدخل في جوهر وظيفته.

ويؤكد أن المطور يجب أن يركز على التطوير، مثلما توجد جهات متخصصة للهندسة والمقاولات والعمل المصرفي والتمويل العقاري. ومن هنا تأتي دعوته إلى العودة مستقبلًا إلى فترات تقسيط بين 4 و5 سنوات، بما يسمح بإعادة توزيع الأدوار بصورة أكثر توازنًا ويمنع تحول ميزانيات شركات التطوير إلى بديل لشركات التمويل.

السعودية وعُمان.. وضوح الرؤية يسبق قرار الاستثمار

تجربة التوسع الخارجي جعلت أحمد صبور ينظر إلى وضوح رؤية الدولة باعتباره أحد أهم المعايير قبل دخول أي سوق. ويشيد في هذا السياق بالسعودية، معتبرًا أنها تتحرك وفق خطة مدروسة لإحداث نهضة وطفرة عقارية، وأن وزارة الإسكان لديها رؤية واضحة للقطاع.

وتزداد أهمية هذا الوضوح لأن التطوير العقاري استثمار طويل الأجل؛ فالمشروع الصغير قد يحتاج إلى خمس سنوات، بينما يمكن أن تمتد المشروعات الكبرى إلى 10 أو 15 عامًا، ولذلك يحتاج المطور إلى معرفة اتجاه الدولة والقواعد التي ستحكم السوق خلال فترة استثماره. ويشير صبور إلى أنه وجد هذا الوضوح في السعودية وسلطنة عمان، بما يشجع على اتخاذ قرارات استثمارية طويلة المدى.

«دستور العائلة» والبورصة.. حماية الشركة من اختبار الأجيال

وبعيدًا عن المبيعات والمشروعات، تعمل «الأهلي صبور» على ملف ربما يكون أكثر حساسية بالنسبة إلى مستقبل الشركات العائلية: الانتقال بين الأجيال. ويشير أحمد صبور إلى إحصاءات يعرفها تفيد بأن نحو 80 % من الشركات العائلية لا تستمر في الجيل الثالث، مقابل 20 % فقط تتمكن من العبور وقد تصل إلى الجيلين الرابع والخامس.

ولهذا تحركت العائلة في مسارين متوازيين؛ الأول خطة طرح الشركة في البورصة بما يسمح بالفصل بين الملكية والإدارة وتطبيق قواعد الحوكمة، والثاني إعداد ما يطلق عليه «دستور العائلة». واستغرق إعداد الدستور نحو عام كامل من الاجتماعات الأسبوعية التي امتد كل منها أربع ساعات، وخرج في نحو 32 صفحة باللغة الإنجليزية تتضمن عشرات البنود المنظمة للعلاقة بين أفراد الأسرة والشركة.

ومن بين القواعد التي يتضمنها ألا يعمل الجيل الثالث بصورة تلقائية في الشركات المشتركة للعائلة أو يتولى الإدارة، وإنما يحصل على توزيعات الأرباح، مع إمكانية إنشاء صندوق يساعد أفراد الجيل الجديد على تأسيس مشروعات مستقلة. وفي الوقت نفسه، تظل خطة طرح الشركة في البورصة قائمة، وإن كانت الحرب قد أدت، وفق صبور، إلى إبطاء تنفيذها قليلًا.

العقار يصنع الثروة.. لكنه لا يصنع «مالًا سهلًا»

في نهاية رؤيته للسوق، يرفض أحمد صبور اختزال الاستثمار العقاري في فكرة الثراء السريع. نعم، العقار يمكن أن يكون طريقًا قويًا لبناء الثروة، لكنه استثمار متوسط وطويل الأجل في الأساس، وقد يحتاج المستثمر إلى الاحتفاظ بأصله ثلاث أو أربع سنوات وتحمل تكاليفه قبل أن يحصل على العائد الذي يستهدفه.

ويقر بأن بعض الفترات الاستثنائية شهدت أرباحًا سريعة، كما حدث في مصر ودبي خلال مراحل معينة، حتى إن بعض العملاء كانوا يشترون الوحدة بمقدم الحجز ثم يعيدون بيع إيصال الحجز نفسه فور خروجهم من الشركة محققين أرباحًا، لكنه يعتبر ذلك استثناءً تفرضه ظروف سوقية خاصة وليس قاعدة للاستثمار العقاري.

ولهذا يوجه نصيحته إلى الشباب والمستثمرين بضرورة دراسة السوق والمشروع والشركة المطورة قبل الشراء، والتأكد من المصداقية، والقيام بالـ«Homework» جيدًا، ووضع خطة تمتد لثلاث أو أربع سنوات على الأقل. فلا وجود، في رؤيته، لـ«مال سهل»؛ فكل جنيه من الأرباح تقف وراءه مشقة وعمل وسهر وقلق ومخاطر.

وتختصر هذه الفلسفة جانبًا كبيرًا من تجربة أحمد صبور نفسها؛ فمن شركة بدأت عام 1994 بشراكة تجمع البنك الأهلي وعائلة صبور، إلى كيان خرج من رحمه نحو 40 شركة، ومن الدخول المبكر إلى مناطق لم تكن معروفة إلى التحرك في برشلونة واليونان وقبرص وثلاث أسواق خليجية، ظل الرهان قائمًا على قراءة المستقبل قبل اكتمال ملامحه. وبين سوق محلية تستند إلى طلب سكاني ضخم، وساحل شمالي يعيد تعريف مفهوم السكن والسياحة، وتصدير عقاري يستهدف مليارات الدولارات، وتحديات تمويل وتكلفة تفرض إعادة النظر في نموذج الصناعة تبقى الرسالة الأهم في رؤية صبور أن العقار ليس صفقة قصيرة الأجل، وإنما صناعة طويلة النفس؛ أساسها الثقة، ووقودها السيولة، واختبارها الحقيقي ليس حجم ما تبيعه الشركات، بل قدرتها على البناء والتسليم والاستمرار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق