د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
مصر

غضب وجدل حول مسؤولية وقصف مواقع تعدين قرب حدود مصر والسودان

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

أثارت أنباء مقتل وإصابة عدد من المعدنين السودانيين في غارات جوية قرب الحدود المصرية السودانية ردود فعل متباينة على وسائل التواصل الاجتماعي، تراوحت بين إدانة ما وصفوه بهجوم وطلب فتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين، وبين تأييد إجراءات حماية الحدود والثروات المصرية.

اتهم ناجون ومنظمات وكيانات سياسية الجيش المصري بتنفيذ القصف، فيما اختلفت الروايات بشأن موقع الغارات وحصيلة الضحايا، ولم يتمكَّن أحد من التحقق المستقل من هذه الاتهامات، كما لم تصدر أي بيانات رسمية من السلطات في مصر أو السودان بشأن الحادث.

وأعيد تداول صور ومقاطع يُزعم أنها تظهر أضراراً وضحايا في مواقع التعدين، ما أثار التساؤلات حول سلامة العاملين في التنقيب عن الذهب ومصير المصابين والمفقودين، بالإضافة إلى حدود المسؤولية في حماية هؤلاء داخل المناطق الحدودية.

ماذا حدث

أفاد شهود عيان ومصادر محلية لبي بي سي بمقتل أكثر من 60 معدناً تقليدياً وإصابة نحو 150 آخرين جراء غارات جوية استهدفت مواقع للتنقيب عن الذهب في منطقة “شمال الوادي” على الحدود بين السودان ومصر.

وذكر شهود كانوا في الموقع أن طائرة حربية حلقت مرتين في أجواء المنطقة يوم الجمعة، ثم قصفت مواقع للتنقيب في جبل الأحمر المعروف بـ”جبل العقيدات”، قرب سوق الأنصاري.

وبحسب الشهود، اصطدمت إحدى الضربات بمجموعة تضم 35 معدناً قتلوا جميعاً في الموقع، فيما توفى نحو 20 آخرين أثناء محاولات إجلائهم، مما دفع مئات الناجين إلى الفرار نحو مناطق صحراوية متفرقة.

أحد المعدنين قال إن العاملين استخدموا سيارات دفع رباعي لنقل عشرات الجرحى والقتلى، مشيراً إلى أن غياب المرافق الطبية في المنطقة الحدودية يزيد من معاناة المصابين بجروح بالغة، بينما اتهم منقّبون القوات المصرية بتنفيذ الغارات لاقتراب التنقيب من النقاط الحدودية.

ورأى أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني، أن القصف يعد جريمة غير مبررة بحق المعدنين السودانيين في المنطقة الحدودية مع مصر، مشيراً إلى وجود وسائل قانونية للتعامل مع التجاوزات دون الحاجة لاستخدام القوة الجوية، وأكد تحمل الدولة مسؤولية حماية مواطنيها رغم ظروف الحرب.

وطالبت شبكة أطباء السودان ومجموعة محامو الطوارئ بفتح تحقيق مستقل وعاجل للكشف عن ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين، حيث أشارت مجموعة المحامون الطارئون إلى مقتل 72 معدناً مدنياً سودانياً، متهمة الطيران الحربي المصري بشن الهجوم داخل الأراضي السودانية.

كانت المنطقة قد شهدت في يونيو الماضي وقوع هجمات أسفرت عن قتلى من المعدنين، حين أعلن الجيش المصري عن حملات أمنية على حدوده الجنوبية لمكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية والتنقيب غير القانوني عن الذهب، تم خلالها مصادرة معدات واعتقال عدة أشخاص.

في 22 يونيو، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان عزم حكومته التحقيق في الأحداث التي شهدتها مواقع التعدين قرب الحدود المصرية.

إدانات ومطالب بالتحقيق وحماية المعدنين

على منصة إكس، نقلت منظمة مناصرة ضحايا دارفور تصريحات لثلاثة من الضحايا وشهود العيان الذين اتهموا الطائرات العسكرية المصرية بعمليات استطلاع قبل أيام من الغارات، ثم بقصف مباشر استهدف المناجم صباح السبت.

وقالت المنظمة إن الغارات أسفرت عن مقتل نحو 200 شخص وإصابة 120 منهم، فضلاً عن نزوح حوالي عشرة آلاف إلى منطقة أدروب، فيما اقتيد 13 معدناً إلى الأراضي المصرية ولا يزال مصيرهم مجهولاً، مع عدم تمكن أحد من التحقق المستقل من هذه الأرقام أو من ادعاءات الاعتقال.

وأدانت المنظمة ما وصفته بانتهاك السيادة السودانية، وطالبت الحكومة السودانية بقيادة البرهان بالتحرك، كما ناشدت مجلس الأمن اتخاذ تدابير لوقف استهداف المعدنين.

وغرد مستخدم باسم “عمار” واصفاً ما حدث بالمجزرة المروعة، متكرراً في أعداد القتلى والجرحى والاعتقالات المزعومة.

أما حساب “سودان بدون كيزان” فقد ناقش أبعاد السيادة والمسؤولية، مؤكداً أن القصف وقع داخل الأراضي السودانية، وأن مكافحة التسلل أو التنقيب غير المرخص لا تبرر استخدام القوة الجوية ضد مدنيين، ودعا إلى إجراء تحقيق مستقل يجمع أسماء الضحايا ومواقع الهجوم وصور الذخائر المتبقية، بالإضافة إلى تحرك دبلوماسي وحقوقي، لكنه أبدى انتقادات لحكومة السودان واتهمها بالعجز، مشيداً بمواقف تحالف تأسيس والحزب الجمهوري التي أدانت الهجوم.

واتهم تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، الذي تقوده قوات الدعم السريع، الحكومة المصرية بالمسؤولية عن الهجوم، فيما قال الباشا طبيق، عضو الهيئة القيادية للتحالف ووزير النفط والطاقة في حكومة السلام الانتقالية، إن الجيش المصري نفذ الغارات وطالب بتحقيق مستقل يشمل القائمين على تنفيذ الهجوم ومن خطط أو سهّل ذلك، مع إمكانية وجود تنسيق مع قيادة الجيش السوداني، وحمّل السلطات السودانية مسؤولية حماية المواطنين، داعياً الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي إلى التحرك والكشف عن الأعداد الحقيقية للضحايا وتوفير العلاج والتعويضات، دون تقديم أدلة على وجود التنسيق المزعوم.

دفاع عن حماية الحدود والثروات المصرية

في المقابل، دافعت بعض الحسابات عن الإجراءات المصرية، مشيرة إلى أن المعدنين دخلوا الأراضي المصرية للتنقيب دون ترخيص سابق.

فاطمة سعد الحساني قالت إن معدنين سودانيين سبق توقيفهم بعد اعترافهم بالتنقيب داخل مصر وأُعيدوا إلى السودان، وأنهم حاولوا عبور الحدود مرة أخرى، ما دفع الجيش المصري للرد بالقصف، ووجهت اتهامات للمعدنين بالانتماء إلى شبكات تهريب وسلاح، ورفضت اتهام مصر بالطمع في موارد السودان أو السعي لتوسيع نفوذها، معتبرة أن الحدود الجنوبية تمثل خطراً أكبر على مصر من الحدود الشرقية مع إسرائيل.

مستخدم باسم أحمد أوضح أن المناجم تقع ضمن الأراضي المصرية التي تمنح حقوق التنقيب لشركات، وادعى أن تحذيرات متكررة وجهت للمعدنين دون استجابتهم، كما ذكر مقتل ضباط مصريين خلال المواجهات.

أما مينا، فشدد على حق الدولة المصرية في حماية مواردها الوطنية وحدودها، مؤكداً أن “حماية الحدود والثروات الوطنية مسؤولية لا تقبل التهاون”، مشيداً بدور الجيش المصري في الحفاظ على السيادة.

مستخدم آخر أشار إلى أن المنطقة المستهدفة تقع في مصر، وأن التنقيب فيها يتطلب تصريحاً رسمياً حتى للمواطنين المصريين، فيما نقل الصحفي والكاتب المصري خالد محمود تقارير متداولة عن إلقاء منشورات تحذيرية قرب مواقع التعدين تطالب المنقبين بمغادرة المناطق غير المرخصة وتسليم أنفسهم ومعداتهم، في إطار تشديد الإجراءات لمكافحة التنقيب غير القانوني والتسلل، مع التأكيد على أن هذه التقارير غير رسمية ولم تُتحقق من صحتها بشكل مستقل.

وكان الجيش المصري قد أعلن سابقاً عن حملات أمنية على الحدود الجنوبية لمكافحة التهريب والتنقيب غير القانوني والهجرة غير الشرعية، توضح مصادرة معدات واعتقال أشخاص وترحيل متسللين، لكن هذه الأعلانات السابقة لا تتعلق بالحادثة الأخيرة.

أسئلة عن الضحايا وغياب التعليق الرسمي

بعيداً عن تبادل الاتهامات المتبادلة، ركزت منشورات على التفاوت الكبير في أعداد الضحايا والمطالبة بحق العائلات في معرفة مصير أبنائها.

وطُلب التحقق من ملابسات الهجوم وتوثيق حجم الخسائر ومحاسبة المسؤولين حال ثبوت أي انتهاكات عبر تحقيقات مستقلة.

نور الدين الزاوي تناقل حصيلتين متفاوتتين للأعداد، الأولى من شبكة أطباء السودان بإشارتها إلى 13 قتيلاً و28 جريحاً، والأخرى من مجموعة المحامين الطارئين التي ذكرت 72 قتيلاً، موضحاً أن اختلاف الأرقام يعود إلى صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، ولم تُرفق المادة أي بيانات أصلية للتحقق من هذه الإحصاءات.

وسألت نينا عن ما إذا كان من المتوقع صدور بيان رسمي من وزارة الخارجية المصرية بخصوص الحادث، بينما عبر محمد عن تضامنه مع المعدنين ودعا إلى الحوار والوساطة، معبراً أن القصف لا يحمي الأرواح وأن الدم لا يبني وطنًا.

يعتمد ملايين السودانيين على التعدين الأهلي كمصدر للعيش، وبين المطالب بحمايتهم والدفاع عن السيادة المصرية، تبقى هوية منفذي الهجوم الأخير، وموقعه الدقيق، وحجم خسائره أموراً لم تتضح بعد في ظل غياب معلومات رسمية موثوقة.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin