دراسة تكشف ممارسات وحشية قام بها قدماء المصريين بعد وفاة الملوك

كشفت دراسة حديثة تعتمد على الفحص الجنائي لبقايا بشرية تم العثور عليها في محيط المجمعات الجنائزية لملوك مصر القديمة عن أدلة تشير إلى أن هذه البقايا تعود لخدم قُدّموا كضحايا بشرية عند وفاة الملوك.
تم استخراج بقايا هؤلاء الخدم أو الأتباع لأول مرة في عشرينيات القرن الماضي من المجمعات الجنائزية في أبيدوس شرق مصر، والتي تعود إلى نحو 3000 عام قبل الميلاد.
أوضحت روزلين أ. كامبل، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة بيردو في ولاية إنديانا الأمريكية، التي قامت بفحص الجماجم المستخرجة من تلك الحفريات الأصلية، أن علماء الآثار في ذلك الوقت اشتبهوا في أن هؤلاء الأفراد قُدّموا كأضاحي بشرية، إلا أنه لم يتم العثور حينها على أدلة واضحة تحدد سبب وفاتهم.
وأضافت كامبل أن استخدام التقنيات الجنائية الحديثة والتقدم في فهم استجابة أجساد البشر للإصابات وعمليات التحلل مع مرور الوقت مكنها من تحديد أدلة واضحة على إصابات في الرأس لدى بعض هؤلاء الأفراد، وُجدت في وقت قريب من الوفاة.
وأشارت إلى أن هذه الإصابات في السياق الأثري تدل بوضوح على أن بعض التابعين قُتلوا ودفنوا في محيط مقابر الملوك على الأقل.
ذكر البيان الصحفي أن العدد الكبير للقبور دفع عالم الآثار البريطاني فلندرز بيتري، الذي استخرج البقايا في أوائل القرن العشرين، إلى الاعتقاد بأن هذه الدفنات كانت نتيجة لتقديم أضاحٍ بشرية.
شرحت كامبل أن طقوس التضحية بالأتباع شُيّعت في العديد من الثقافات انطلاقًا من معتقدات تفيد بأن الأفراد الذين ضحوا سيواصلون خدمة الحاكم في الحياة الآخرة، وقد تكون هذه الممارسة أيضًا وسيلة لاستعراض سلطة الحاكم.
وأوضحت أن بعض التابعين ربما تطوعوا للموت طمعًا في الحياة الأبدية أو الشرف، بينما قد يكون آخرون اختيروا أو أجبروا على ذلك.
وثق فلندرز بيتري بقايا الأتباع عبر الصور واحتفظ بسجلات عنها، وأعاد دفن معظمها عدا الجماجم التي عثرت كامبل على 46 منها في جامعة كامبريدج البريطانية.
أوضحت كامبل أن الإصابات على الجماجم المحفوظة عبارة عن كسور خطية غالباً ما تؤدي إلى فقدان سريع للوعي ونزيف داخلي وربما الموت، وهذه الكسور عادة ما تنتج عن سلاح مسطح وعريض.
خضع لفحص الدراسة 46 جمجمة، وُجدت فيها آثار إصابات قد تكون قاتلة في 18 منها، أي ما يعادل 39%.
غير أن كامبل أكدت أن هذا لا يعني بالضرورة أن كل المدافن الأخرى في تلك المناطق كانت لضحايا طقوس التضحية البشرية، إذ من الممكن أن بعض الأشخاص ماتوا لأسباب طبيعية أو تعرضوا للقتل بطرق لا تترك آثارًا ظاهرة مثل الخنق.
من جانبها، صرحت كاثرين سلينجر، المحاضرة في علم الآثار المصري بجامعة مانشستر التي لم تشارك في الدراسة، بأنها كانت هناك قناعة سائدة منذ فترة طويلة بشأن التضحية بحاشية الملك عند وفاته، لكن تفاصيل هذه الممارسة كانت قليلة.
وأوضحت سلينجر أن الطريقة التي قُتل بها هؤلاء الأفراد لم تكن واضحة سابقًا، وجاءت النظريات مختلفة بين الخنق والتسميم.
وأضافت أن هذه الدراسة هي المرة الأولى التي تدعم الأدلة الجنائية من خلالها نظرية التضحية البشرية وتُثبت كيفية مقتل بعض هؤلاء الأفراد على الأقل.
تعمل كامبل حاليًا على إعداد مسودة كتاب حول هذا الموضوع من المقرر نشره عام 2027، سيتناول بعمق أكبر هوية هؤلاء الأفراد من الحاشية، وسياق الفكر والمجتمع المصري في تلك الحقبة، وكيفية دراسة وفهم العنف والتضحية في الماضي بصورة أوسع.
من جهته، قال كارل هاريسون، عالم الآثار الجنائية بجامعة إكستر في إنجلترا، الذي لم يشارك في الدراسة، إن النتائج مثيرة للاهتمام حقًا، لكنه حذر من المبالغة في تفسير نوايا المصريين القدماء، وأكد ضرورة توخي الحذر عند تقييم دلالة أنماط الإصابات فيما يتعلق بمسألة التعمّد.
وأضاف هاريسون أن السلوكيات العابرة للثقافات البشرية القديمة، لا سيما التي لم تترك سجلات مكتوبة أو وثّقت فقط في كتابات شعوب أخرى، تحتوي على تعقيدات اجتماعية تفوق قدرتنا على إعادة بنائها بشكل شامل.
نشرت الدراسة في دورية “Frontiers” يوم الإثنين.





