د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
مصر

تصريحات الحكومة المصرية حول أبرز قضايا 2024 وأبرز المواقف الرسمية

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

اختصر بنجامين فرانكلين، قبل ما يقرب من ثلاثة قرون، قاعدة مهمة في الإدارة وصناعة القرار قائلاً: «أن تُنجز خيرٌ من أن تُحسن القول»، مشيرًا إلى أن قيمة الأفكار لا تكتمل إلا بتحويلها إلى فعل وقرار ونتيجة.

خلال السنوات الماضية، شاركت في العديد من الحوارات والمؤتمرات واللقاءات التي هدفت إلى طرح أفكار تخدم مشروعًا تنمويًا متكاملًا لمصر، والتي شملت جلسات الحوار الوطني، واجتماعات مجموعة الاقتصاد الكلي المعنية بالسردية الوطنية، ولجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لرئيس مجلس الوزراء، بالإضافة إلى مؤتمرات وورش عمل ومناقشات مع مراكز الأبحاث والمؤسسات الأكاديمية.

لم تقتصر مشاركتي على الحديث فقط بل تضمنت تقديم مداخلات شفهية وإعداد أوراق بحثية للسياسات وعروض تقديمية ونشر مقالات، وتم رفع جزء كبير من هذه المواد إلى صناع القرار، واستند ذلك إلى خبرات عدد كبير من الأساتذة والزملاء والمشاركين الآخرين في هذه الفعاليات.

ولا تقتصر هذه التجربة على جهدي فقط، بل تمثل تراكمًا فكريًا واسعًا شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة من خلال مشاركة اقتصاديين وأساتذة جامعات وخبراء ورجال أعمال وممثلين عن المجتمع المدني والشباب في العديد من المنصات واللجان والمؤتمرات، ما أسفر عن تقديم أوراق ودراسات ومقترحات ورؤى وانتقادات متعددة.

وبناءً عليه، لا يطرح السؤال الآن ما إذا كانت هناك أفكار كافية لإنشاء رؤية جديدة لمصر، بل يكمن التحدي الأهم في كيفية جمع هذا التراكم الفكري وتنقيحه واستخلاص القواسم المشتركة، وتحويله إلى رؤية شاملة ثم إلى مشروع تنموي وبرنامج اقتصادي واجتماعي قابل للتنفيذ، وهو ما يمثل الحلقة المفقودة بين منتَج الحوار وصناعة السياسات.

وتقدم التجارب الدولية استراتيجيات مهمة في هذا الصدد، ففي فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية أنشئت «المفوضية العامة للتخطيط» عام 1946 لتجمع بين الدولة والخبراء والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية لوضع أولويات محددة وتحويلها إلى أهداف كمية وبرامج واضحة، كما شهدت كوريا الجنوبية منذ عام 1962 وضع خطط خمسية تتضمن مستهدفات كمية قابلة للقياس، مما سمح بمقارنة النتائج الفعلية بتلك المستهدفة وتحقيق نسب نمو مرتفعة.

ولا يقصد استنساخ هذه النماذج، وإنما تعلم الدرس المؤسسي المُتمثل في جمع المعرفة، وتحديد الأولويات، ووضع مستهدفات قابلة للقياس، وتحديد المسؤوليات، ثم الرجوع لمراجعة الإنجازات وتفسير أسباب الانحرافات.

في هذا الإطار، أتابع باهتمام كبير نشاط «منتدى مصر 2026» والجلسات التحضيرية التي يضطلع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء بدور بارز فيها، حيث يمتلك المركز خبرة متراكمة في جمع البيانات والأراء وتنظيم الحوارات وتحويل مخرجاتها إلى مدخلات لصناعة القرار، كما لعب دورًا مهمًا في التحضير لمؤتمر مصر الاقتصادي 2022 وتتبع توصياته الـ125 المعلنة وتشكيل لجنة فنية لمتابعة التنفيذ.

لكن المفارقة أن الجلسات الحالية رغم أهميتها وآليتها المشابهة لجلسات المؤتمر الاقتصادي السابق، قد تثير إحباطًا لدى بعض المشاركين بسبب تكرار المحتوى السابق، وتساؤلهم عن مقدار ما تحول من هذه المشاركات إلى سياسات وقرارات وبرامج فعلية.

ومن هنا تكمن أهمية المنتدى الجديد الذي أعلنت الرئاسة أن جلساته التحضيرية ستناقش ما تحقق من نتائج السياسات، وتقيم أثرها، وتحدد الفجوات والتحديات، وتطرح بدائل وحلولًا عملية، على أن يؤدّي المنتدى في نهايته إلى قرارات وخطط وبرامج تنفيذية.

وبالتالي، إن استعراض الإنجازات يُعد مهمة طبيعية للبيان الحكومي أمام البرلمان الذي يُمثل أداة مؤسسية للرقابة، فيما لا يُضيف المؤتمر الجماهيري كثيرًا إذا تحول إلى مجرد إعادة عرض لما قيل من قبل، وتكمن قيمته الحقيقية في الإجابة عن سؤال كيفية تحويل المنتج الفكري السابق إلى مشروع عملي.

مصر اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الآراء بقدر حاجتها إلى تنظيم محتوى الأفكار المتراكمة، فمن وجهة نظر إحصائية، كثرة البيانات لا تعني بالضرورة زيادة المعلومات، وفي حال عدم تصنيفها وتحليلها وربطها بالسياق قد تزيد الضجيج وتغيب الإشارات المهمة.

لذا، ما يحتاجه الوضع الآن هو خلايا عمل جادة تجمع الدراسات والمقترحات السابقة، تفرز ما هو قابل للتنفيذ، تحدد الأولويات، تحولها إلى مستهدفات رقمية، مؤشرات أداء، جداول زمنية، ومسؤوليات واضحة، ثم تتابع التنفيذ وتفسر الانحرافات، بحيث يصبح الحوار وسيلة وليست غاية يتحول معها تراكم المعرفة إلى قرار، والقرار إلى برنامج، والبرنامج إلى نتائج ملموسة.

الحكومة تتكلم، وهذا أمر مطلوب، ولا أظن أن الدكتور مدبولي قد توقف عن العمل ولو لأسبوع واحد خلال ولايته، ولكن الأهم الآن ليس جلسة استماع أو إضافة حوار جديد بل معرفة ماذا أضافت كل هذه الحوارات، وما هي ثمار تلك المناقشات، وكيف نتحول إلى صنع سياسات وبرامج دون الحاجة إلى حوارات مكررة.

* كاتب ومحلل اقتصادي

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin