وزير الري الأسبق يكشف إمكانية توفير مشروع جونجلي لمياه تعادل ضعف إلى ثلاثة أضعاف إيرادات مصر والسودان السنوية

أوضح الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، أن نصيب الفرد من المياه في مصر تراجع إلى نحو 500 متر مكعب سنوياً، في ظل موارد مائية لا تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة، مشددًا على ضرورة ربط إدارة المياه بالجدوى الاقتصادية، وتعزيز التعاون بين دول حوض النيل، ودراسة المشروعات القادرة على زيادة الموارد المتاحة.
وأشار علام خلال حواره في برنامج «خط أحمر» الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة «الحدث اليوم»، إلى أهمية مشروع قناة جونجلي في رفع موارد مصر والسودان المائية، حيث يمكن أن يساهم المشروع في الاستفادة من المياه المفقودة في مناطق المستنقعات، موضحًا أن الكميات الممكن توفيرها من خلاله قد تصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف إجمالي الإيرادات المائية السنوية للبلدين.
قناة جونجلي.. مشروع متوقف رغم أهميته المائية
بيَّن علام أن جهود زيادة الموارد المائية في مصر ارتبطت بعدة مشروعات وتحركات عبر فترات رئاسية مختلفة، فالرئيس الراحل جمال عبد الناصر اتخذ خطوات لتعزيز حصة مصر والسودان من مياه النيل، بينما سعى الرئيس الراحل أنور السادات إلى رفع الموارد المائية في ظل تراجع نصيب الفرد من المياه بسبب زيادة السكان.
ولفت إلى أن مشروع قناة جونجلي شهد تحركات خلال عهد السادات وتم تنفيذ أجزاء منه، لكنه توقف جراء الحرب الأهلية في جنوب السودان، وظل معطلاً حتى الآن.
وأضاف الوزير الأسبق أن مشروعات التعاون المائي بين دول حوض النيل لا تزال تواجه تحديات رغم الجهود المتواصلة في مختلف العهود الرئاسية، ومنها عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشددًا على أهمية تعزيز التعاون بين دول الحوض لتحقيق مصالح مشتركة والاستفادة الأمثل من الموارد المائية.
500 متر مكعب للفرد سنويًا
أفاد علام أن انخفاض نصيب الفرد إلى نحو 500 متر مكعب يعكس وصول مصر إلى حالة الندرة المائية، مشيرًا إلى أن هذه الكمية لا تمثل سوى نصف الحد الأدنى الذي يعتمده البنك الدولي للدول الصحراوية مثل مصر، والمقدر بـ1000 متر مكعب سنويًا للفرد.
وأوضح أنه وفق تصنيفه، يبلغ الحد الأدنى للدول ذات الظروف المائية العادية حوالي 1500 متر مكعب للفرد سنويًا، وأن مصر تجاوزت هذه الحدود إلى مرحلة الندرة.
كما بين أن تداعيات الندرة المائية تظهر جليًا في اعتماد مصر الكبير على استيراد الغذاء، واستخدام تحلية المياه لتوفير مياه الشرب، بالإضافة إلى معالجة المياه وإعادة استخدامها مرات عديدة لتلبية الطلب المتزايد.
وأشار إلى الأعباء المالية الكبيرة التي تتحملها الدولة لتوفير الغذاء للسكان، مما يدعو إلى إعادة تقييم سياسات المياه لضمان استدامتها وتحقيق توازن بين الموارد المتاحة والاحتياجات.
مياه الشرب والصناعة أولوية.. والزراعة أمام حسابات التكلفة
تطرق علام إلى توزيع الموارد المائية بين القطاعات المختلفة، موضحًا أن مياه الشرب والصناعة لا يمكن تخفيضها بسهولة لخطورة التأثير المباشر على حياة المواطنين واستمرار النشاط الصناعي.
وأشار إلى أن ما تبقى بعد تلبية احتياجات الشرب والصناعة هو المورد المتاح للزراعة وغيرها من الاستخدامات، مؤكداً تناقص هذه الكميات سنويًا، مما يجعل زيادة الموارد ضرورة للحفاظ على الرقعة الزراعية المحدودة وتلبية احتياجات القطاعات المختلفة.
وشدد على أهمية أن يستند التوسع الزراعي إلى حسابات مائية واقتصادية دقيقة تشمل تكلفة المياه لكل فدان وقيمة المحاصيل الناتجة، ومدى قدرة العائد على تغطية تكاليف الإنتاج المائي.
ذكر أن تكلفة تحلية المياه قد تصل إلى دولار أو ثلاثة أرباع الدولار للمتر المكعب، محذراً من استخدام المياه عالية التكلفة في زراعة محاصيل لا تحقق عائدًا اقتصاديًا يتناسب مع تكلفة المياه.
وأكد أن التوسع الزراعي يهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على استيراد الغذاء، لكنه يستلزم اختيار محاصيل مناسبة لموارد المياه المتاحة بما يضمن جدوى اقتصادية وعوائد مالية مستدامة.
الأرز وقصب السكر وإعادة النظر في التركيبة المحصولية
ربط علام بين إدارة الموارد المائية والقرارات المتعلقة بالتركيبة المحصولية، مشيرًا إلى أن الأرز وقصب السكر من المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، والتوسع في زراعتهما يفرض أعباء إضافية على الموارد المائية رغم العوائد الاقتصادية لبعض هذه المحاصيل.
وأضاف أن الأرز وقصب السكر يزرعان بشكل رئيسي في دول حوض النيل، خاصة في الهضبتين الاستوائية والإثيوبية، مؤكدًا الحاجة إلى مراجعة سياسات الزراعة لتتناسب مع الاحتياجات الفعلية وإمكانات الموارد المائية للدولة.
وشدد على ضرورة وضع اقتصاديات المياه في صدارة القرارات الزراعية، بحيث يشمل تقييم المحاصيل كمية المياه وتكلفة توفيرها إلى جانب العائد الاقتصادي، لضمان التوازن بين الإنتاج الزراعي والحفاظ على الموارد المائية.
إعادة الاستخدام ومعالجة المياه لزيادة الموارد المتاحة
أشار علام إلى أن مصر حققت تقدمًا في الاستفادة من مواردها المائية عبر إعادة استخدام المياه وتعظيم الاستفادة من مصادر مختلفة تشمل مياه النيل والمياه الجوفية ومياه الصرف الزراعي.
وأوضح أن مياه الصرف الزراعي تمثل مصدرًا هامًا لإعادة الاستخدام، إلى جانب المياه المتسربة من الترع والمصارف وتتجمع في باطن الأرض، مع التذكير بأن تصريف جزء من مياه الصرف يرتبط بالحاجة إلى التخلص من الأملاح المتراكمة في التربة.
وذكر أن كفاءة استخدام الموارد المائية في مصر تبلغ نحو 70%، مقارنة بالمستوى المحقق في الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدًا أهمية استمرار تطوير منظومة إدارة المياه ورفع كفاءة الاستغلال.
أضاف أن مصر تعتمد منذ عقود على معالجة المياه وإعادة استخدامها مرات متعددة، مع خلط مصادر المياه لتلبية الاحتياجات المختلفة، وأن التطورات التقنية في السنوات الأخيرة سمحت بإعادة استخدام المياه وفق معايير جودة دقيقة.
واستشهد بمحطة معالجة مياه مصرف بحر البقر كمشروع بارز يعكس القدرة على تنفيذ مشروعات مائية متقدمة رغم تكلفتها العالية.
واختتم علام بالتأكيد على أن تقييم مشروعات معالجة المياه وإعادة استخدامها يجب أن يشمل التكلفة الإجمالية مقارنة بالعائد الاقتصادي والمنتج النهائي، محذرًا من أن المشاريع التي لا تحقق عائدًا يتناسب مع تكلفتها قد تتحول إلى عبء اقتصادي رغم أهميتها الفنية.





