أخبار العالم

رفعت فياض يكتب.. بالمستندات التعليم الطبي بجامعة المنصورة مهدد بالانهيار

كارثة بكل المقاييس بدأت تهدد التعليم الطبي في مصر، الذي كان متميزًا على كل جامعات منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا كلها، وهي قبول أعداد ضخمة زيادة عن الطاقة الاستيعابية لأي كلية أو أي برنامج دولي متميز بها، بحجة أن الأموال التي ستدفعها هذه الأعداد الإضافية، والتي ستكون فوق الطاقة الاستيعابية، هي بمثابة موارد مالية للجامعة، حتى ولو تسبب هذا في انهيار العملية التعليمية بهذه الكلية وبهذا البرنامج.

 

وقد شاهدنا ذلك مؤخرًا في كلية طب بورسعيد الأهلية، التي قرر القائم بعمل رئيس جامعة بها قبول 650 طالبًا وطالبة بالكلية، مخالفًا بذلك قرارات لجنة القطاع الطبي ومجلس الجامعات الخاصة، الذي كان محددًا لهذه الكلية 300 طالب وطالبة فقط، مما تسبب في أزمة طاحنة كانت تهدد مستقبل كل هذه الأعداد الزائدة، مما دفع وزير التعليم العالي إلى اتخاذ عدد من الإجراءات لقبولهم، إما في كليات الصيدلة أو طب الأسنان بنفس الجامعة، أو قبول الجزء المتبقي بكليات الطب بالجامعات الخاصة أو الأهلية التي لم تستكمل الأعداد المخصصة لها.

 

حدث هذا من أجل تحقيق أكبر عائد مادي كان يهدف إليه القائم بعمل رئيس جامعة بورسعيد الأهلية بقبول هذه الأعداد بالمخالفة بكلية طب بورسعيد، التي لا يوجد بها مستشفى حتى الآن، وليس بها سوى عضو هيئة تدريس واحد معين على قوتها.

 

كارثة طب المنصورة

لكن هناك كارثة أخرى أكبر بدأت تتفجر في كلية طب جامعة المنصورة، التي يصفها البعض بأنها أصبحت قبلة الطب في مصر، نظرًا لتميزها وتميز برامجها، وخاصة البرنامج الأشهر بها في مجال التعليم الطبي، سواء في مصر أو العالم العربي، وهو برنامج «المنصورة مانشستر»، وهو أول برنامج نوعي في الجامعات المصرية، ونشأ منذ عشرين عامًا بناءً على اتفاقية رسمية بين جامعة المنصورة وجامعة مانشستر الإنجليزية.

 

وطبقًا لهذا العقد، يسمح لكلية الطب بجامعة المنصورة بقبول عدد 400 طالب بحد أقصى في هذا البرنامج، ولو زاد العدد عن ذلك تلتزم جامعة المنصورة بدفع غرامة عن كل طالب زائد عن هذه الطاقة الاستيعابية للبرنامج.

 

وكانت كلية الطب بالجامعة تحاول على مدى العشرين سنة الماضية أن يكون الحد الأدنى لعدد المقبولين بالبرنامج لا يزيد عن 400 طالب وطالبة كل عام، وذلك طبقًا للعقد مع جامعة مانشستر، مستهدفة أن يكون هناك جودة ملموسة للعملية التعليمية، نظرًا لأن التدريس في هذا البرنامج والتدريب العملي وحل المشكلات الطبية بها يتم للطلاب من خلال مجموعات صغيرة لا تزيد عن 15 أو 20 طالبًا وطالبة بحد أقصى، بهدف تخريج نوعية عالية جدًا من الأطباء.

 

وأصبح الجميع في مصر يشيدون بالفعل بطب المنصورة بشكل عام، وببرنامج مانشستر الطبي بها بشكل خاص، نظرًا لتميزه الشديد في المجال الطبي.

 

ضغوط من الجامعة

إلا أن الكلية بدأت في السنوات الأخيرة تتعرض لضغوط شديدة من إدارة الجامعة لقبول أعداد زائدة عن الحد من الطلاب بهذا البرنامج، وبأعداد تفوق طاقة البرنامج الاستيعابية، وبالمخالفة لما هو متفق عليه مع جامعة مانشستر، بحجة أن هذه الأعداد الزائدة التي سيتم قبولها ستمثل موارد مادية إضافية للجامعة، وتعتبر مصدرًا للدخل لها.

 

وفي العام الماضي وحده، فرضت إدارة الجامعة على الكلية أن تقبل 75 طالبًا وطالبة بالزيادة عن العدد المسموح به للبرنامج، وهو 400 طالب وطالبة، مع أن هذا سيتسبب في أن تدفع الجامعة غرامة لجامعة مانشستر عن هذه الأعداد الزائدة، تقدر بـ40 مليون جنيه سنويًا.

 

وبدأت المشكلة تتفاقم بشكل أكبر، خاصة وأن كثيرًا من الطلاب الملتحقين بهذا البرنامج شديد الجودة، والمسددين لمبالغ مالية ضخمة تصل إلى 140 ألف جنيه في السنة، أصبحوا يتلقون محاضراتهم وهم جلوسًا على الأرض، وبدأ كثير منهم يتطاولون على أساتذتهم، مؤكدين أنهم لم يدفعوا كل هذه المبالغ وفي النهاية يجلسون على الأرض لكثرة أعداد الطلاب بالبرنامج، أو يتلقون محاضراتهم وهم وقوفًا.

 

وقام الدكتور أشرف شومة، عميد الكلية، بنقل كل هذا إلى الدكتور شريف خاطر، رئيس جامعة المنصورة، بعد أن تهجم الطلاب على مكتب العميد أيضًا لنفس السبب، وأكد له أنه لا يجب أن نعرض هذا البرنامج للانهيار بقبول أعداد أخرى تفوق الطاقة الاستيعابية للبرنامج، وتهدد العملية التعليمية بالكلية، وتخالف العقد الموقع مع جامعة مانشستر، وستجبر جامعة المنصورة أيضًا على دفع غرامة على كل طالب زائد عن العدد المتفق عليه، مثلما حدث في العام الماضي.

 

إلا أن رئيس الجامعة أصر على موقفه بضرورة الموافقة على قبول كل المحولين من كليات الطب بمختلف الجامعات المصرية، سواء كانوا من السويس أو بورسعيد أو حتى أسوان، للقيد في برنامج مانشستر المتميز، مادام الطالب سيدفع عشرات الآلاف من الجنيهات.

 

وحاول عميد الكلية أن يؤكد مرة أخرى لرئيس الجامعة أن الوضع بهذا الشكل لن يستقيم بكلية طب المنصورة كلها، وليس ببرنامج مانشستر فقط، كما أن البرنامج سيفقد سمعته، وأننا سندفع غرامة عن كل طالب سنقبله بالزيادة عن 400 طالب المتفق عليهم مع جامعة مانشستر سنويًا، وأننا إذا فعلنا ذلك سنفقد ميزة العائد المادي الذي نأخذه من الطالب، بل سندفع نحن عليه غرامة لجامعة مانشستر.

 

العرض على مجلس الجامعة

إلا أن الدكتور شريف خاطر، رئيس الجامعة، استمر في إصراره على مدى شهر كامل، وعلى ضرورة قبول كل هذه الأعداد الزائدة، وعددها 177 طالبًا وطالبة، ثم تلاها عدد 77 طالبًا وطالبة آخرين، أي بإجمالي 254 طالبًا وطالبة زيادة عن الطاقة الاستيعابية للبرنامج، وهي 400 طالب وطالبة، ورافضًا كل المحاولات التي بذلها عميد الكلية، الذي أرسل له خطابًا رسميًا بذلك، مؤكدًا له فيه أن هذا سيكون فوق الطاقة الاستيعابية.

 

وفوجئ عميد الكلية برئيس الجامعة يطلب منه عرض الموضوع على مجلس الكلية، معتقدًا أن هذا موقف شخصي فقط من العميد وليس من مجلس الكلية.

 

وبالفعل، قام الدكتور أشرف شومة بعرض الموضوع على مجلس الكلية، الذي رفض ذلك بالإجماع، مؤكدًا أن هذا سيكون فوق الطاقة الاستيعابية للبرنامج، وبناءً عليه أرسل الدكتور أشرف شومة خطابًا رسميًا لرئيس الجامعة يقول له فيه:

 

«بالإشارة إلى كتاب سيادتكم إلينا بشأن قبول عدد 177 طالبًا من المتقدمين للتحويل لبرنامج المنصورة مانشستر للتعليم الطبي، والالتماسات المقدمة من عدد 77 طالبًا آخر للتحويل للبرنامج (من خارج الكلية) للعام الجامعي الحالي، والذين لم يتم قبولهم، نحيط سيادتكم علمًا بأنه تم عرض الموضوع والالتماسات المشار إليها على مجلس الكلية في جلسته رقم 754 المنعقدة بتاريخ 15/9/2026، وبعد دراسة الموضوع واستعراض الأماكن المتاحة والأعداد المقبولة، قرر المجلس رفض الالتماسات من الطلاب الـ77، نظرًا للوصول إلى الحد الأقصى للطاقة الاستيعابية للبرنامج، ونحن نتمنى للطلاب المتظلمين كل التوفيق والسداد».

 

وبناءً على ذلك، تم رفع الأمر إلى لجنة القطاع الطبي بالمجلس الأعلى للجامعات برئاسة الدكتور أشرف حاتم، فأرسل لعميد الكلية قرار اللجنة الرافض تمامًا لقبول أي زيادة طلابية ببرنامج مانشستر بكلية طب المنصورة، وأرسل خطابًا رسميًا بذلك لعميد الكلية.

 

إلا أن رئيس الجامعة ما زال مصرًا على موقفه، بحجة أن الطالب سيدفع 140 ألف جنيه في السنة، متسائلًا: كيف أرفض هذا؟!

 

وعلى الجانب الآخر، ما زال عميد الكلية يؤكد أن هذا سيضر بالمنتج العلمي، وسيضر بسمعة الطب في مصر، وسيجعل برنامجًا شديد النجاح والتميز يفقد تميزه، مثل كل البرامج التعليمية الأخرى في مصر، والتي كانت شديدة التميز وحدث لها نفس المصير نتيجة هذه الممارسات الخاطئة التي تفسد وتفقد كفاءة مثل هذه البرامج.

 

وتطورت الأمور اليوم الاثنين بشكل أسوأ، عندما أصر الدكتور شريف خاطر، رئيس الجامعة، على أن يعرض الموضوع على مجلس جامعة المنصورة، مع أنه وفقًا لنص القانون فإن قبول الطلاب المحولين هي مسؤولية مجلس الكلية في المقام الأول، لكن نظرًا لرفض مجلس الكلية، قام الدكتور شريف خاطر بإدخال الموضوع مجلس الجامعة، وأخذ منه موافقة بالأغلبية على قبول تحويل هؤلاء الطلاب بالمخالفة لبرنامج مانشستر.

 

وأثناء الاجتماع، طلب الدكتور أشرف شومة من رئيس الجامعة أن يسجل في محضر الاجتماع رفضه لذلك، إلا أن رئيس الجامعة رفض الاستجابة لطلبه، فطلب منه العميد أن يتلقى بكامل مجلس كلية الطب بنفسه غدًا ليستمع منه ويعرف موقفهم، إلا أن رئيس الجامعة رفض مقابلة مجلس الكلية.

 

العرض على الوزير

وما زالت المعركة مشتعلة، والخطر الداهم ليس على برنامج مانشستر الطبي بالكلية فقط، بل على الكلية بكاملها وعلى التعليم الطبي كله في مصر، إذا كان المال هو الذي سيحدد عدد المقبولين بكليات الطب أو برامجها المتميزة بالشراكة مع الجامعات الأجنبية، مثلما هو الحادث الآن في أزمة طب المنصورة.

 

وما زال الدكتور أشرف حاتم، أمين لجنة قطاع التعليم الطبي بالمجلس الأعلى للجامعات، على موقفه هو ولجنة القطاع، مؤكدًا أننا لو سرنا في هذا الاتجاه بقبول هذه الأعداد الزائدة عن الطاقة الاستيعابية، سواء لكليات الطب عمومًا أو البرامج المميزة والمشتركة مع الجامعات الأجنبية، فإن التعليم الطبي سوف ينهار ونفقد سمعتنا المتميزة فيه.

 

خاصة وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي دائمًا ما ينادي بضرورة العمل على جودة العملية التعليمية، والتوسع في الشراكة مع الجامعات الأجنبية، خاصة في التخصصات المتميزة، ومن بينها تخصص الطب.

 

وأبلغني أنه سيتواصل اليوم مع الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي، بشأن هذه الأزمة، حتى يتم اتخاذ القرار المناسب فيها، حتى لا تنهار مهنة الطب في مصر بسبب الاهتمام أولًا بجمع الأموال، وغير عابئين بتأثير ذلك على العملية التعليمية. 

مجلس الكلية يرفض بالإجماع زيادة الأعداد
رئيس الجامعة يطلب قبول 77 طالب إضافى
لجنة القطاع بالمجلس الأعلى ترفض أى زيادة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق