أخبار العالم

كيف تتوسع سلاسل الوجبات السريعة بين واشنطن وبكين رغم التوترات؟

تختلف الصين والولايات المتحدة في قضايا كثيرة، من التعريفات الجمركية والتكنولوجيا إلى تايوان، لكن الوجبات السريعة تجمع بينهما، في المقابل تتوسع سلاسل المطاعم والمشروبات الأمريكية في الصين، مدفوعة بقاعدة عملاء محتملة في بلد يزيد عدد سكانه على أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة. 

توسع متبادل لسلاسل المطاعم

يدفع ركود الاقتصاد الصيني والمنافسة الشرسة في قطاع المطاعم السلاسل الصينية إلى تجربة حظها في السوق الأمريكية، وقد فتح ذلك جسرًا ثقافيًا بين القوتين العظميين، في وقت تضيق فيه مساحات التقارب الأخرى، وفقًا لـ أسوشيد برس.

وقالت يالينج جيانج، مؤسسة شركة أبحاث السوق “أبرتشر تشاينا” التي يقع مقرها في شنغهاي ولندن، إن التبادل التجاري في البرجر وشاي الفقاعات مثال عملي على دبلوماسية غذائية يقودها قطاع الأعمال والمستهلكون.

وأضافت أن المطاعم الأمريكية التي وصلت حديثًا إلى الصين، مثل “بوبايز” و”فايف جايز”، يراها الصينيون متعة تُشعرهم بالذنب، مشيرًا إلى أن تنوع أذواق الأمريكيين المتزايد أتاح للعلامات التجارية الصينية أن تكون سفراء غير رسميين لبلادها، موضحة أن النزعة الاستهلاكية تخلق قناة آمنة ومقدمة للثقافة الصينية المعاصرة، ويمكن أن تكون وسيلة رائعة لتعزيز القوة الناعمة للصين.

ذوق مشترك في الوجبات الرخيصة

لم يكشف البيت الأبيض عن قائمة الطعام لعشاء الدولة الذي يقيمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس الصيني شي جين بينج، لكن ميل الزعيمين إلى الوجبات الرخيصة التي ترضي جميع الأذواق يبدو سمة مشتركة بينهما.

ففي عام 2013، قام شي بزيارة نادرة إلى مطعم يقدم الفطائر المطهوة على البخار في بكين، وانتظر في الطابور وطلب وجبة بقيمة 21 يوانًا أي نحو 3 دولارات، تتكون من ست فطائر محشوة بلحم الخنزير والبصل الأخضر، وخضراوات، وطبق من كبد وأمعاء الخنزير المطهوة.

أما ولع ترامب بالوجبات السريعة فمعروف، وقد عمل في قسم قلي البطاطس بأحد فروع ماكدونالدز في بنسلفانيا خلال حملته الانتخابية عام 2024.

سلاسل أمريكية تضاعف حضورها في الصين

في الشهر الماضي، اصطف زبائن صينيون تحت المطر لحضور افتتاح أول مطعم “تشيرشز تكساس تشيكن” في شنغهاي، وتخطط السلسلة لافتتاح 600 فرع إضافي على الأقل في أنحاء الصين، أما “وينديز” فتتوقع افتتاح 1000 مطعم هناك خلال العقد المقبل.

وتوسع الشركات الراسخة أعمالها كذلك، فتخطط ماكدونالدز لافتتاح 1000 مطعم جديد في الصين هذا العام، وصولاً إلى 10 آلاف مطعم بحلول 2028. 

وتوقعت “برجر كينج”، التي دخلت السوق الصينية عام 2005، أن يتضاعف عدد فروعها ثلاث مرات ليبلغ 4000 فرع بحلول 2035.

وقال شون رين، المؤسس والمدير الإداري لمجموعة أبحاث السوق الصينية التي تتخذ من شنغهاي مقرًا لها: “على الرغم من التوترات السياسية بين الولايات المتحدة والصين، إلا أن الصينيين ما زالوا مولعين بالعلامات التجارية الأمريكية”.

من كنتاكي إلى أكبر أسواقها

كانت “كنتاكي” أول سلسلة أمريكية كبرى للوجبات السريعة تدخل السوق الصينية، بافتتاحها مطعمًا في بكين عام 1987. 

وأوضح رين أن المطعم كان يُنظر إليه حينها كوجهة مميزة تستحق الزيارة. ثم دخلت ماكدونالدز وبيتزا هت السوق عام 1990، مضيفًا: “كانت مطاعم ماكدونالدز وكنتاكي بمثابة منارة للصحة والنظافة مقارنة بما كان موجودًا في بقية السوق”.

وتُعد الصين الآن أكبر أسواق “كنتاكي فرايد تشيكن” بفارق كبير، حيث تمتلك السلسلة نحو 13 ألف مطعم فيها، مقابل نحو 3750 مطعمًا في الولايات المتحدة. وترى العلامات الأمريكية مجالاً لمزيد من النمو.

وقال سوري بارك، مدير مشروع في شركة “داكسو” للاستشارات وأبحاث السوق التي تركز على الصين، إن جزءًا كبيرًا من سكان الصين يعيشون في مدن داخلية صغيرة، وهناك تفتتح علامات مثل ماكدونالدز وستاربكس متاجر جديدة.

سوق صعبة تتطلب شركاء وتكييفًا للمنتج

تعتمد معظم السلاسل الأمريكية على شركاء صينيين لإيجاد مواقع مناسبة وتقاسم المخاطر الماليةن وهو ما يجعل الصين سوقًا غير سهلة للشركات الأجنبية.

وفي وقت سابق من هذا العام، استحوذت شركة استثمار صينية على حصة 60% في عمليات ستاربكس في الصين، بعد سنوات من تراجع الإقبال على فروعها.

وتعتمد هذه السلاسل على علاماتها ومنتجاتها المميزة، لكن كثيرًا منها يعدل قوائم الطعام لتناسب الأذواق الصينية. فمطاعم “كنتاكي” في الصين تقدم البطاطس المقلية ودجاج الوصفة الأصلية، إلى جانب فطائر البيض الكريمية وعصيدة الأرز.

وقال بارك: “إنهم بحاجة إلى العمل كشركة صينية ولكن تقديم قوائم طعام أمريكية تتضمن القيم الصينية وعادات الأكل والأذواق”.

علامات صينية تدخل الولايات المتحدة

افتتحت “ميكسو”، إحدى أكبر سلاسل الوجبات السريعة في العالم بأكثر من 53 ألف فرع، أول ثلاثة فروع لها في الولايات المتحدة في ديسمبر. 

وكما حدث في شنغهاي، انتظر زبائن نيويورك في البرد لتذوق الآيس كريم الناعم وشاي الفواكه وشاي الحليب، بإضافات مثل جيلي جوز الهند وكرات القلقاس، في أحد فروعها بميدان هيرالد.

وأعلنت السلسلة خططًا لافتتاح 24 فرعًا إضافيًا على الأقل في أربع ولايات أمريكية، ودخلت السوق الأمريكية منذ عام 2023 تسع سلاسل صينية أخرى على الأقل، تتخصص جميعها تقريبًا في المشروبات والوجبات الخفيفة، ومن بينها “هيتيا” التي تمتلك 40 فرعًا في الولايات المتحدة، و”لوكين كوفي” التي تفوقت على ستاربكس لتصبح أكبر علامة قهوة في الصين، ولديها 20 فرعًا في نيويورك.

وتوسعت سلسلة “والاس”، التي تأسست عام 2000، لتضم أكثر من 20 ألف مطعم عبر بيع الدجاج والهامبرجر على الطريقة الأمريكية في الصين.

وفي كاليفورنيا، حيث افتُتح ثاني فروعها في الولايات المتحدة الشهر الماضي، عدلت الشركة وصفة شطيرة الدجاج لتناسب الأذواق الأمريكية.

ضغوط في الداخل ومكاسب محتملة في الخارج

قبل دخول السوق الأمريكية، توسعت سلاسل مطاعم ومقاهٍ صينية كبرى في جنوب شرق آسيا، لكن ركود سوق العقارات وضعف الإنفاق الاستهلاكي جعلا النمو داخل الصين أصعب. 

ووفق تقرير حكومي أمريكي، كان متوقعًا أن ينخفض متوسط عمر المطاعم والسلاسل الصينية، وعددها نحو 16 مليونًا، إلى 15 شهرًا فقط العام الماضي.

وقطاع المطاعم الأمريكي أصغر بكثير، حيث يضم مليون موقع فقط بحسب الجمعية الوطنية للمطاعم.

وترى جيانج ميزة أخرى للعلامات الصينية، هي ظاهرة رائجة على مواقع التواصل تُعرف باسم “Chinamaxxing”، يتبنى فيها غربيون عادات نمط الحياة والعافية الصينية.

ولا تفصح كل العلامات عن أصلها بوضوح، فالموقع الأمريكي لسلسلة “والاس” وصفحاتها على مواقع التواصل لا تشير إلى ملكية صينية أو إلى مقرها الرئيسي في مقاطعة فوجيان جنوب شرق الصين. 

مكاسب ومخاطر في السوق الأمريكية

تتطلع السلاسل الأمريكية والصينية إلى اغتنام الفرص عبر المحيط الهادئ. لكن العلامات الصينية لا تزال غير مجربة إلى حد كبير في الولايات المتحدة، وحتى السلاسل التي تمتلك آلاف الفروع في أماكن أخرى تختبر ما إذا كان الابتكار سيتحول إلى ولاء لدى العملاء.

وقال آرون ألين، مؤسس شركة “آرون ألين وشركاه” للاستشارات في مجال المطاعم، إن الولايات المتحدة سوق مربحة للغاية لا يمكن تجاهلها، مضيفًا أنها تمثل ثلث إيرادات المطاعم العالمية، مع أن سكانها لا يتجاوزون 4% من سكان العالم، قائلاً: “دائمًا ما تكون الأمور أفضل في مكان آخر من العالم”.

المنافسة بالسعر وتحديات محتملة

ورغم الصورة المميزة للعلامات الأمريكية في الصين، تتنافس علامات صينية كثيرة بقوة على السعر. ففي مقهى “ميكسو” بهوليوود هذا الأسبوع، بلغ سعر كوب لاتيه ماتشا متوسط الحجم 6.83 دولارات، بينما باعت “ستاربكس” المجاورة المشروب نفسه بسعر يزيد نحو دولار، وتبيع “والاس” ثلاث شطائر دجاج كاملة الحجم بـ10 دولارات.

وقال ألين: “يستطيع الصينيون بناء الأشياء بتكلفة أقل وبسرعة أكبر، فلماذا لا ينطبق ذلك على الطعام؟”، محذرًا من أن العلامات الصينية قد تواجه ردود فعل سلبية من المستهلكين، أو رسومًا جمركية أعلى، إذا نافست نظيراتها الأمريكية بمنتجات منخفضة التكلفة، مضيفًا أنها قد تخضع، مثل شركات صينية أخرى، لتدقيق أمريكي بشأن جمع بيانات العملاء واستخدامها.

وأبلغت جيني جو، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لـ”لوكين كوفي”، المستثمرين في فبراير بأن الولايات المتحدة تمثل إحدى فرصنا المهمة طويلة الأجل، وأن الشركة تمضي قدمًا بانضباط كبير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق