أخبار العالم

خبير اقتصادي: بريكس تمنح مصر فرصة لتقليل مخاطر الاعتماد على سوق واحدة

تأتي مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس، التي تستضيفها نيودلهي اليوم وغدًا 13 سبتمبر 2026، في توقيت يشهد فيه الاقتصاد العالمي العديد من التحديات، بداية من تصاعد الخلافات التجارية والعقوبات الاقتصادية، مرورًا باضطرابات أسواق الطاقة، وصولًا إلى الضغوط التي تواجه سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

وتتجاوز أهمية المشاركة المصرية الجانب السياسي، في ظل اتساع نطاق تجمع بريكس وامتلاكه ثقلًا اقتصاديًا وسكانيًا كبيرًا، وهو ما يمنح القاهرة فرصة لتطوير علاقاتها التجارية والاستثمارية والمالية مع عدد من الاقتصادات الكبرى والصاعدة.

مصر تسعى لتنويع شراكاتها الاقتصادية

أكد الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن عضوية مصر في بريكس، التي بدأت رسميًا في يناير 2024، تمثل فرصة لتحويل العلاقات السياسية إلى مشروعات اقتصادية واستثمارات وشراكات تجارية أكثر قوة.

وأوضح أن الهدف من الانضمام إلى التجمع لا يتمثل في استبدال الشركاء الغربيين بشركاء من الشرق، وإنما في توسيع الخيارات المتاحة أمام الاقتصاد المصري، بما يقلل مخاطر الاعتماد على سوق واحدة أو مصدر محدد للتمويل والاستثمار.

وأشار إلى أن مصر تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، وفي الوقت نفسه تعمل على تعزيز التعاون مع الصين والهند وروسيا والبرازيل، إلى جانب الدول العربية والأفريقية، وهو ما يمنحها مساحة أكبر للتحرك في ظل التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

موقع مصر يدعم دورها داخل بريكس

وتمتلك مصر مجموعة من المقومات التي يمكن أن تساعدها على الاستفادة من عضوية بريكس، وعلى رأسها موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتبرز قناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها، إلى جانب الموانئ المصرية وشبكة الطرق والبنية التحتية، كعناصر يمكن توظيفها في جذب الاستثمارات وتحويل مصر إلى مركز للإنتاج والخدمات اللوجستية.

كما أن امتلاك مصر لاتفاقيات تجارية مع عدد من الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية يمنح المستثمرين الذين يختارون السوق المصرية فرصة للوصول إلى أسواق خارج حدود البلاد.

فرص كبيرة لزيادة الصادرات المصرية

وأوضح الجوهري أن زيادة الصادرات المصرية تمثل واحدة من أبرز الفرص التي يمكن تحقيقها من خلال الانفتاح على أسواق دول بريكس، خاصة في القطاعات التي تتمتع فيها مصر بقدرات إنتاجية وتنافسية.

وتشمل المنتجات التي يمكن زيادة صادراتها الأسمدة والبتروكيماويات، والحاصلات الزراعية والمنتجات الغذائية، والأدوية والمستلزمات الطبية، بالإضافة إلى الملابس والمنسوجات والسيراميك ومواد البناء.

كما تمتد الفرص إلى الكابلات والأجهزة الكهربائية والمنتجات الهندسية والكيماوية، فضلًا عن الخدمات المرتبطة بالمقاولات والسياحة والنقل.

العضوية وحدها لا تضمن نمو التجارة

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن عضوية بريكس لا تعني تلقائيًا إلغاء الرسوم الجمركية أو زيادة الصادرات المصرية، خاصة أن التجمع لا يمثل منطقة تجارة حرة بين أعضائه.

ولذلك تحتاج مصر إلى التفاوض بشكل مباشر مع الدول الأعضاء لتسهيل دخول المنتجات المصرية إلى أسواقها، والعمل على تقليل القيود غير الجمركية، وتسريع إجراءات تسجيل السلع، وتقريب المواصفات ومعايير الجودة.

كما يمكن إنشاء مراكز لوجستية ومعارض دائمة للمنتجات المصرية في الأسواق المستهدفة، بما يساعد الشركات المحلية على الوصول إلى المستوردين والعملاء بصورة أكثر مباشرة.

ولا تقتصر الفرص التي يوفرها بريكس على التجارة، إذ يمكن لمصر الاستفادة من التجمع في جذب استثمارات صناعية وتكنولوجية جديدة.

وتستطيع القاهرة تقديم نفسها كمركز إنتاج يخدم أكثر من سوق، خاصة أن إقامة مصنع داخل مصر لا تعني الاعتماد على السوق المحلية فقط، بل تتيح الوصول إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية من خلال الاتفاقيات التجارية التي ترتبط بها مصر.

وتبرز عدة قطاعات كفرص استثمارية واعدة، منها السيارات الكهربائية ومكوناتها، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والهيدروجين والأمونيا الخضراء، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات ومراكز البيانات.

كما تشمل المجالات المستهدفة الصناعات الغذائية والتخزين المبرد، والغزل والنسيج والملابس الجاهزة، والصناعات الهندسية والإلكترونية، وتحلية المياه وإعادة التدوير، بالإضافة إلى الموانئ والخدمات اللوجستية وتصنيع مستلزمات الطاقة والنقل والسكك الحديدية.

قناة السويس نقطة جذب للشركات الأجنبية

ومن الممكن أن تلعب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس دورًا رئيسيًا في استقطاب الشركات القادمة من دول بريكس، خاصة الشركات الصينية والهندية والروسية التي تبحث عن مواقع إنتاج قريبة من خطوط التجارة العالمية.

ويمكن أن تستفيد هذه الشركات من الموقع الجغرافي لمصر ومن قربها من أسواق واسعة في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، إلى جانب توافر الموانئ والمناطق الصناعية والبنية الأساسية اللازمة لإنشاء مشروعات موجهة للتصدير.

الهند شريك اقتصادي مهم لمصر

ويمثل انعقاد القمة في العاصمة الهندية نيودلهي فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين مصر والهند، خاصة أن الهند تمتلك خبرات قوية في مجالات متعددة يمكن أن تستفيد منها السوق المصرية.

ومن بين القطاعات التي يمكن جذب الشركات الهندية إليها صناعة الأدوية والمواد الفعالة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمنسوجات، والصناعات الغذائية، والسيارات ومكوناتها، والطاقة الجديدة.

وفي المقابل، تستطيع مصر زيادة صادراتها إلى الهند من الأسمدة والمنتجات البترولية والكيماوية والحاصلات الزراعية، مع العمل في الوقت نفسه على تنشيط السياحة الهندية من خلال زيادة الرحلات الجوية المباشرة والترويج للمقاصد المصرية المختلفة.

بنك التنمية الجديد فرصة لتمويل المشروعات

ويرى الجوهري أن تنويع مصادر التمويل الخارجي يمثل أحد الملفات المهمة بالنسبة لمصر، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الأموال الساخنة والاقتراض قصير الأجل.

وفي هذا الإطار، يمكن لمصر الاستفادة من عضويتها في بنك التنمية الجديد التابع لبريكس لتمويل مشروعات في مجالات النقل والطاقة النظيفة والمياه والصرف الصحي والبنية الأساسية والتحول الرقمي.

وتكمن أهمية هذه الأداة في إمكانية توجيه التمويل إلى مشروعات إنتاجية تحقق عائدًا اقتصاديًا، وتساعد في زيادة الإنتاج والصادرات وخلق فرص عمل، بدلًا من توجيه التمويلات بصورة أساسية لتغطية الاحتياجات الجارية.

العملات المحلية لتسهيل التجارة

ومن الملفات التي يمكن أن تستفيد منها مصر أيضًا تطوير أنظمة المدفوعات بين دول بريكس، وزيادة استخدام العملات المحلية في تسوية بعض المعاملات التجارية.

ويمكن لهذا الاتجاه، إذا تم تطبيقه بصورة مدروسة، أن يساعد في خفض تكاليف التحويلات وتسوية المدفوعات، وتسريع عمليات الاستيراد والتصدير، وتقليل الحاجة إلى استخدام الدولار بشكل مباشر في بعض التعاملات.

كما قد يساهم استخدام العملات المحلية في تسهيل دخول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى أسواق جديدة، وتقليل تأثير تغيرات أسعار الصرف على بعض العقود التجارية.

استخدام العملات المحلية لا يعني التخلي عن الدولار

وفي الوقت نفسه، لا يعني التوسع في استخدام العملات المحلية أن الدولار سيختفي من التعاملات التجارية، أو أن دول بريكس ستتجه سريعًا إلى إصدار عملة موحدة.

وأوضح الجوهري أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى وجود آليات واضحة للمقاصة، واتفاقيات لتبادل العملات، وأسواق صرف تتمتع بالسيولة الكافية، إلى جانب معالجة الاختلالات في الميزان التجاري بين الدول.

فعندما تستورد دولة من شريك تجاري أكثر مما تصدر إليه، قد تتزايد حاجتها إلى عملة هذا الشريك، وهو ما يتطلب وجود ترتيبات تمويل ومقاصة مناسبة بين الدول.

ما الذي تحتاجه مصر بعد القمة؟

ويرى الخبير الاقتصادي أن تحويل المشاركة في القمة إلى نتائج فعلية يتطلب إعداد خطة تنفيذية واضحة، تبدأ بتحديد المشروعات المصرية الجاهزة للحصول على التمويل أو جذب الاستثمارات، مع توفير دراسات جدوى متكاملة لهذه المشروعات.

كما تحتاج مصر إلى إعداد خريطة تفصيلية بالسلع التي يمكن تصديرها إلى كل دولة من دول بريكس، وتحديد المنتجات الأكثر قدرة على المنافسة، إلى جانب متابعة الاتفاقيات والمباحثات التي تتم خلال القمة.

ومن بين الخطوات المقترحة أيضًا إنشاء آلية متخصصة لمتابعة نتائج اللقاءات، والعمل على جذب الشركات والمصانع التابعة لدول بريكس إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلًا عن مساعدة الشركات المصرية في استيفاء متطلبات الجودة والتسجيل اللازمة لدخول الأسواق الجديدة.

دعم الشركات الصغيرة والسياحة

ويمكن للشركات الصغيرة والمتوسطة أن تكون جزءًا أساسيًا من استراتيجية الاستفادة من بريكس، من خلال ربطها بمنصات الابتكار والتمويل والتعاون التجاري التابعة للتجمع.

كما توجد فرصة لزيادة التعاون السياحي والطيران مع الهند والصين والبرازيل، خاصة من خلال زيادة الرحلات الجوية المباشرة، وتنويع المنتجات السياحية المصرية التي يتم الترويج لها في هذه الأسواق.

الاستثمار في المشروعات الإنتاجية

وشدد الجوهري على أهمية توجيه التمويل الخارجي نحو مشروعات تحقق إنتاجًا وعائدًا اقتصاديًا، بحيث تساهم هذه المشروعات في زيادة قدرة الاقتصاد المصري على توليد موارد جديدة.

ويمكن أن يشمل ذلك مشروعات الطاقة والنقل والصناعة والمياه والتحول الرقمي، بما يساعد على خفض تكاليف الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية وخلق فرص عمل جديدة.

بريكس فرصة لتعزيز مكانة مصر اقتصاديًا

وتمنح عضوية بريكس مصر فرصة لتوسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية مع قوى دولية مؤثرة في مجالات التجارة والطاقة والتكنولوجيا والنقل والأمن الغذائي.

وفي الوقت نفسه، تستطيع القاهرة الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، بالتوازي مع توسيع التعاون مع الصين والهند وروسيا والبرازيل ودول الخليج وأفريقيا.

وأكد الجوهري أن التحدي الأساسي أمام مصر يتمثل في الانتقال من مجرد المشاركة في اجتماعات بريكس إلى تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة.

ويشمل ذلك زيادة الصادرات، وجذب استثمارات جديدة، وتوفير تمويل للمشروعات الإنتاجية، وتطوير الشراكات التكنولوجية والصناعية، وخلق فرص عمل، مع وضع مؤشرات دورية توضح حجم الاستثمارات والصادرات والمشروعات التي تحققت نتيجة عضوية مصر في التجمع.

وبذلك يمكن لمصر أن تعزز موقعها كمركز اقتصادي ولوجستي يربط بين دول بريكس والأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقناة السويس والمنطقة الاقتصادية والاتفاقيات التجارية التي تمتلكها، لتتحول العضوية من مكسب سياسي إلى أداة عملية لدعم الاقتصاد وزيادة قدرته على مواجهة المتغيرات العالمية. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق