حجم الأمطار في إسطنبول وأسباب عدم تفادي الفيضانات وفق تقييمات السلطات

شهدت إسطنبول في 14 أكتوبر/تشرين الأول هطول أمطار ضمن أشد الظواهر الجوية المسجّلة في تاريخ المدينة، وأسفرت الفيضانات الناجمة عنها عن وفاة أربعة أشخاص على الأقل، مع استمرار جهود البحث عن المفقودين.
تضرّرت آلاف المنازل ومئات المحال التجارية بفعل غمر المياه، وكادت الحياة في العديد من مناطق المدينة أن تتوقّف بالكامل.
أوضح وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي أن كمية الأمطار وصلت في بعض المناطق إلى 272 كيلوغراماً لكل متر مربع، وهو رقم يعدّ قياسياً مقارنةً بسجلات الأمطار في إسطنبول على مر العقود.
فبحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية، كانت أعلى كمية أمطار يومية سُجلت سابقاً في منطقة شيله عام 1985 وبلغت 199.3 كيلوغراماً لكل متر مربع، فيما سجّل مرصد قنديلي في 1951 كمية تبلغ 165.8 كيلوغراماً لكل متر مربع.
أشار الدكتور عبد الله قهرمان، المتخصص في الظواهر الجوية الاستثنائية وتغيّر المناخ بجامعة نيوكاسل، إلى استثنائية كمية الأمطار التي بلغت 272 كيلوغراماً في بيكوز، وبيّن أن متوسط هطول الأمطار السنوي في إسطنبول يبلغ 660 كيلوغراماً لكل متر مربع.
كيلوغرام أم مليمتر
تُستخدم وحدتا الكيلوغرام لكل متر مربع والمليمتر لقياس كمية الأمطار، ويشرح دوغوكان دوغو يافاشلي، أستاذ الجغرافيا في جامعة قرشهير آهي إفران، أن لتر الماء يعادل كيلوغراماً واحداً، وعندما يغطّي هذا اللتر مساحة متر مربع، فإن ارتفاع طبقة الماء يبلغ مليمتراً واحداً.
وبالتالي، تعادل كمية الأمطار في بيكوز 272 كيلوغراماً لكل متر مربع سماكة طبقة مياه تبلغ 27.2 سنتيمتراً عند تجمعها دون تسرب.
مع ذلك، يؤكد الخبراء أن كمية الأمطار وحدها لا تفسّر ارتفاع منسوب المياه الذي بلغ مستويات مهددة للحياة في أجزاء عدة من إسطنبول، إذ تلعب مدة وسرعة الهطول وطبيعة الأسطح دوراً محورياً.
يوضح قهرمان أن الأمطار الغزيرة التي تهطل خلال ساعات قليلة أو أقل، تتحوّل إلى مياه جارية بجريان سريع عبر الأراضي الحضرية التي تغطيها أسطح خرسانية أو أسفلتية غير منفذة للمياه، ما يرفع من خطر الفيضانات التي قد يصل عمقها إلى عدة أمتار.
تغيّر نسبة المساحات غير المنفذة لتسرّب المياه في إسطنبول
تشير دراسات إلى توسع المساحات التي لا تسمح بتسرّب المياه إلى التربة في إسطنبول بوتيرة سريعة خلال أكثر من أربعين عاماً، ومنها دراسة أمريكية-تركية عام 2014 استندت إلى بيانات الأقمار الاصطناعية لتحديد المناطق التي تغطيها أسطح غير منفذة للمياه بنسبة تزيد على 70% بين 1987 و2011.
حيث كانت مناطق مثل فاتح وقاضي كوي وزيتون بورنو في 1987 تضمّ هذه الأسطح، بينما توسّع هذا النطاق ليشمل بحلول 2011 مناطق مثل باكيركوي وبهتشلي إيفلر وباغجيلار وغونغورين وبشيكتاش وأوسكودار وشيشلي وبيوغلو، ما يعادل أربعة أضعاف العدد السابق.
ويشير “مؤشر إسطنبول للمدينة الخضراء” الصادر عن جامعة مرمرة عام 2025 إلى علاقة واضحة بين كثافة الأسطح غير المنفذة لمياه الأمطار ودرجات خطر الفيضانات في المناطق العمرانية، حيث تتصدر مناطق مثل غونغورين وكاغيتهانه وبهتشلي إيفلر وزيتون بورنو قائمة المناطق العالية الخطورة.
ومع تراجع نسبة هذه الأسطح في مناطق مثل شيله وتشاتالجا وبيكوز، ظلت هذه الأخيرة ضمن المناطق المتضررة بسبب كميات الأمطار الكبيرة التي تلقتها.
“المياه التي مُحيت من الخرائط ولم تُمحَ من الأرض وجدت طريقها”
يشير دوغوكان دوغو يافاشلي إلى أن الأجزاء الجنوبية من إسطنبول المعروفة بمجرى أنهارها القديمة وأوديتها تواجه خطراً خاصاً من الفيضانات، موضحاً ذلك بمثال الأنهار التي فاضت في حادثة الفيضانات الأخيرة ومنها أيازاغا وكاغيتهانه وعلي بيه في أرناؤوط كوي وريفا وتشاملي بهتشه في بيكوز.
وأضاف أن الشارع الذي شهد وفاة أحد الأشخاص في أيازاغا يحمل اسم “ديري بويو” أي “ضفة النهر”، ما يدل على وجود مجاري مائية قديمة تحت هذه المناطق التي تمّت تغطيتها أو تغييبها عن الخرائط.
وبحسب دراسة عام 2015 استند إليها يافاشلي، فإن نحو 17% من شبكة المجاري المائية في إسطنبول التي يبلغ طولها نحو 2400 كيلومتر، مغطاة بمنشآت خرسانية وتُصرف المياه عبر قنوات وأنفاق تحت الأرض بدلاً من مجاريها الطبيعية المكشوفة.
“وفيات الفيضانات داخل المنازل أكثر بكثير في تركيا مقارنة بالدول الغربية”
منذ سنوات، يحذّر علماء المناخ من أن الاحترار العالمي المتسارع يعزز احتمال وقوع كوارث طبيعية مثل الفيضانات، إلا أنه لا يمكن حالياً الجزم بشكل قاطع بربط أمطار إسطنبول الأخيرة بالأزمة المناخية.
ويُشدّد الخبراء على خطورة الفيضانات في إسطنبول حتى بعيداً عن تغير المناخ، مؤكدين أن التوسع العمراني العشوائي وضعف البنية التحتية يلعبان دوراً رئيسياً في وقوع ضحايا وأضرار مادية كبيرة.
ويُبيّن قهرمان أن دراسة أجريت مع باحثين من أوروبا والبحر المتوسط أظهرت أن معدل الوفيات جرّاء الفيضانات داخل المنازل في تركيا أعلى بكثير من معظم الدول الغربية، فيما يعزز التوسع العمراني العشوائي هذه المخاطر إلى جانب تغير المناخ.
“الأمطار الغزيرة ظاهرة طبيعية لكننا نحن من يُحوّلها إلى فيضانات”
عند الحديث عن التدابير الممكنة لمواجهة فيضانات ضخمة في مدينة كبرى مثل إسطنبول، يرى يافاشلي أن السبب الأساسي يكمن في النظام العمراني، إذ أن الأسطح غير المنفذة لتسرّب المياه تزيد من سرعة جريانها، ما يؤدي إلى الفيضانات.
ويضيف أن حماية المجاري المائية، والحد من انتشار الأسطح الخرسانية، وتعزيز بنية تصريف مياه الأمطار، من العوامل التي يمكن أن ترفع قدرة إسطنبول على مواجهة الفيضانات مستقبلاً.
من جهته، يشدّد عبد الله قهرمان على أهمية استخدام الأساليب العلمية الحديثة في تقييم خطر الفيضانات وتصميم بنية تحتية تتناسب مع هذا الخطر وتنفيذها.
ويبرز مثال إنجلترا، حيث يتم تطبيق 16 نموذجاً محاكياً تمتد كل منها لمدة مئة عام بدقة مكانية تصل إلى مستوى الكيلومتر، مع نمذجة مستقلة للفيضانات ودراسة آثارها لكل حالة من آلاف الحالات المتطرفة التي تظهرها هذه المحاكاة، مما يمكّن من تقدير حجم شبكات تصريف المياه اللازمة لكل منطقة داخل المدن.
يؤكد قهرمان أن تكلفة إنشاء بنية تحتية ملائمة قد تبدو مرتفعة في البداية، لكنها ستكون أكثر تحملًا مقارنةً بالخسائر المادية والبشرية المتوقعة من الفيضانات والكوارث الأخرى في المستقبل.





