محمد الصايم يكتب: من مدرسة المشاغبين إلى برشامة.. من سرق هيبة المعلم؟

محمد الصايم يكتب: من مدرسة المشاغبين إلى برشامة.. من سرق هيبة المعلم؟
لا أبالغ إذا قلت إن أخطر ما أصاب منظومة التعليم في مصر خلال العقود الماضية ليس نقص الإمكانات، ولا كثافة الفصول، ولا حتى الدروس الخصوصية، وإنما انهيار هيبة المعلم
التعليم في جوهره علاقة قائمة على الاحترام قبل أن يكون قائمًا على المناهج والكتب والامتحانات، وعندما يفقد المعلم مكانته داخل الفصل الدراسي، تصبح كل محاولات الإصلاح مجرد مسكنات لا تعالج أصل المرض
في الماضي كان المعلم سيد الفصل وصاحب الكلمة المسموعة، وقال عنه أمير الشعراء أحمد شوقي “قم للمعلم وفِّه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولًا “، تكريمًا للمعلم وبيانًا لعظيم قدره ومكانته السامية التي لا تقل شرفًا عن رسالة الأنبياء في هداية البشرية وبناء العقول والنفوس، وكان للمعلم هيبة كبيرة، حتى إننا كنا نخشـى المرور في الشارع الذي يسكن فيه، ولم يكن ذلك بسبب الخوف من العقاب، بل لأن المجتمع كله كان يمنحه المكانة التي يستحقها، كانت الأسرة تحترمه، والطالب يقدره، والإعلام يقدم صورته باعتباره صاحب رسالة سامية، ولذلك خرجت أجيال تحمل العلم والقيم والانتماء للوطن
مسرحية مدرسة المشاغبين
لكن الأمور تغيرت تدريجيًا، وبدأت هيبة المعلم تتآكل عامًا بعد عام، وللأسف تتحمل الدراما المصرية جانبًا من المسؤولية، فمنذ عرض مسرحية مدرسة المشاغبين قبل أكثر من نصف قرن، ترسخت لدى كثيرين صورة نمطية للمدرسة باعتبارها مكانًا للفوضى، وللمعلم باعتباره شخصًا يمكن السخرية منه والتقليل من شأنه
ورغم النجاح الفني الكبير للمسرحية، فإن تأثيرها الثقافي امتد لعقود طويلة، خاصة مع تكرار النموذج نفسه في أعمال أخرى قدمت الطالب المشاغب باعتباره البطل المحبوب، بينما ظهر المعلم في صورة العاجز أو الضعيف أو مادة للسخرية
فيلم برشامة
واليوم يتجدد الجدل مع فيلم برشامة، الذي يُعرض حاليًا على إحدى المنصات، ويعيد إلى الساحة مرة أخرى قضية صورة المعلم والمدرسة في الأعمال الفنية، وما إذا كانت بعض هذه الأعمال تسهم في الإساءة إلى المعلم والمنظومة التعليمية بأكملها، والقضية هنا ليست في عمل فني بعينه، وإنما في الرسائل المتراكمة التي تصل إلى الأجيال الجديدة، والتي قد تساهم في إضعاف الاحترام الواجب لأحد أهم أركان العملية التعليمية
ويقوم من محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم بمحاولات جادة، لإعادة الانضباط إلى المدارس واستعادة الهيبة المفقودة للمعلم، لأنه يدرك أن أي تطوير للمناهج أو تحديث للتعليم لن يحقق أهدافه إذا لم يعد المعلم إلى مكانته الطبيعية داخل المدرسة وخارجها
ولذلك نشهد خلال الفترة الأخيرة اهتمامًا واضحًا بإعادة الانضباط المدرسي، والتأكيد على احترام المعلم، وتعزيز دوره التربوي والتعليمي باعتباره حجر الأساس في أي مشروع حقيقي لإصلاح التعليم
لكن الوزير وحده لن يستطيع أن ينجح في هذه المهمة. واستعادة هيبة المعلم مسؤولية مجتمع كامل، مسؤولية أسرة تربي أبناءها على الاحترام، وإعلام يقدم القدوة الحسنة، ودراما تدرك أن الضحك لا يجب أن يكون على حساب قيمة المعلم، ومسؤولية معلم يتمسك برسالته ويكون نموذجًا يُحتذى به
إن الدول التي تقدمت لم تفعل ذلك بالمباني الحديثة أو التكنولوجيا فقط، وإنما بدأت أولًا من احترام المعلم وتقديره ماديا ومعنويا ، لأن المعلم لا يصنع درجاتٍ وشهادات فقط، ولكن يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والوزير والعالم، وهو الذي يزرع في نفوس الأجيال قيم الانتماء والعمل والإبداع
ولذلك فإن إعادة هيبة المعلم ليست مطلبًا فئويًا، بل قضية أمن قومي. فحين يستعيد المعلم مكانته، تستعيد المدرسة انضباطها، ويستعيد التعليم رسالته، ويستعيد الوطن أحد أهم أسباب تقدمه
لقد آن الأوان أن نعيد للمعلم ما فقده من احترام وتقدير، وأن ندرك جميعًا أن نهضة التعليم تبدأ من المعلم، وأن الفصل الدراسي يبدأ بمعلم يملك العلم والكرامة والهيبة، فهذه الهيبة ليست رفاهية، بل ضرورة للمستقبل





