د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
ترفيه

سيلفستر ستالون يتجاوز تحديات المرض والفقر ليصبح أسطورة في عالم الفن

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

يعود سيلفستر ستالون إلى قصة فيلمه الشهير “روكي” من منظور مختلف، حيث يتحول من كونه كاتبًا وبطلًا إلى شخصية يؤدي دوره ممثل آخر في فيلم “أنا ألعب دور روكي” (I Play Rocky)، الذي يستعرض نضاله من أجل الحصول على بطولة الفيلم عام 1976، بعد أن حاول المنتجون شراء السيناريو ومنح الدور لنجم مشهور.

وبعد مرور خمسين عامًا، تصبح رحلة الرجل الذي كتب لنفسه دورًا بعدما رفضته هوليوود قصة مستقلة لا تستمد قيمتها فقط من نجاح “روكي” بل من التناقض الذي حول عيوب ستالون الجسدية وطريقة كلامه وفقره ورفض المنتجين له إلى أساس أسطورة من أساطير القوة في السينما.

حول الشاب الغريب الذي كان من المفترض أن تُغلق أمامه أبواب هوليوود إلى ملامح بطل عرَفه العالم، قبل أن تتحول هذه الصورة نفسها إلى قيد مهني وجسدي ظل يكافح لتحرير نفسه منه طوال مسيرته الفنية. يوفر فيلم “أنا ألعب دور روكي” فرصة جديدة لاسترجاع هذه الرحلة لفهم الثمن الذي دفعه ستالون من أجل البقاء داخل الشخصية التي صنعها.

بين الممثل المفلس الذي رفض التخلي عن حلمه، والنجم الذي بلغ الثمانين وأصبح ماضيه مادة تُجسدها أجيال أخرى، تكشف حياة ستالون كيف يمكن لنقطة ضعف أن تصنع بطلاً، وكيف يمكن للبطل نفسه أن يتحول بمرور الزمن إلى عبء على صاحبه.

وجه غير مؤهل للبطولة

وُلد سيلفستر غاردينزيو ستالون في 6 يوليو 1946 في حي هيلز كيتشن في نيويورك، لأب إيطالي مهاجر يعمل مصفف شعر، وأم أمريكية عملت في التنجيم والترويج لمصارعة النساء. أثناء ولادته، تسبب استخدام الملقط في إصابة عصب في الجانب الأيسر من وجهه، ما أضعف حركة جزء من شفته وذقنه ولسانه، وأثر على نطقه بصوت ثقيل.

تعرّض ستالون للسخرية بسبب ملامحه وطريقة كلامه، وربط الآخرون بطء نطقه بضعف الذكاء. وكان والده يكرر له أنه لم يولد بعقل قوي، وأن عليه الاعتماد على جسده، فحول ستالون هذه العبارة إلى مبدأ حياة، فبنى عضلاته لتعويض شعوره بالنقص. عاش مع شقيقه فرانك وسط زواج مضطرب انتهى بانفصال والديه عندما كان في الحادية عشرة.

بقِي مع والده القاسي، ثم انتقل إلى فيلادلفيا للعيش مع والدته وزوجها، وانتقل بين عدة مدارس بسبب تعثره الدراسي. قال إنه لم يتلقَ عناقًا من والديه، وكان يتمنى أن تضع والدته يدها على وجهه وتخبره بأنها تحبه.

ممثل يكتب نفسه

درس ستالون الدراما في الكلية الأمريكية بسويسرا، ثم الفنون المسرحية في جامعة ميامي، لكنه ترك الدراسة وانتقل إلى نيويورك حيث عمل في تنظيف أقفاص الأسود بحديقة سنترال بارك، وكان مرشدًا بدار سينما، وظهر في أدوار صغيرة في أفلام “موز” (Bananas) و”كلوت” (Klute) عام 1971، ثم حصل على دور أكبر في “أسياد فلاتبوش” (The Lords of Flatbush) عام 1974.

ظل محاصرًا في أدوار المجرمين الصغار، فأدرك أن عليه كتابة شخصية لا يستطيع أحد تمثيلها مثله. جاءت الصدفة عندما شاهد في مارس 1975 مباراة المصارعة بين محمد علي كلاي وتشاك ويبنر الذي، رغم كونه منافسًا محدودًا، صمد حتى الجولة الأخيرة مبتكرًا معنًى جديدًا للكرامة في الخسارة.

استوحى ستالون فكرة رجل لا يملك فرصة الفوز لكنه يستطيع تغيير معنى الخسارة، وكتب المسودة الأولى من “روكي” في نحو ثلاثة أيام ونصف. صوّر روكي كملاكم محدود القدرات يعمل في تحصيل الديون، يعيش منعزلًا ويحاول التقرب من امرأة خجولة، ولا يحلم بالحزام بل بالبقاء واقفًا حتى النهاية حين يواجه أبولو كريد.

رغم عروض وصلت إلى 360 ألف دولار لشراء النص وتمثيل قائمه من النجوم، رفض ستالون بيع السيناريو بسبب حاجته إلى المال، مدركًا أن بيعه سيعيده إلى انتظار الفرص التي لن تُمنح له، وساندته زوجته ساشا تشاك التي تزوجها عام 1974 وكانت حاملاً بطفلهما الأول. وافق المنتجان إروين وينكلر وروبرت تشارتوف على المخاطرة وتمويل الفيلم بميزانية محدودة ورقابة صارمة.

سلّم المجد

صوّر جون جي أفيلدسن الفيلم خلال 28 يومًا بميزانية تجاوزت قليلاً مليون دولار. استمد الفيلم قوته من التشابه بين حياة وطموح بطله وسنوات رفض ممثله، وحقق “روكي” إيرادات بلغت نحو 225 مليون دولار، ورُشح لتسع جوائز أوسكار فاز منها بجوائز أفضل فيلم ومخرج ومونتاج. نال ستالون ترشيحين كأفضل ممثل وأفضل سيناريو أصلي، ليصبح ثالث شخص يُرشح للتمثيل والكتابة عن فيلم واحد بعد تشارلي تشابلن وأورسون ويلز.

حوّل الفيلم درج متحف فيلادلفيا إلى رمز للانتصار على العجز، لكنه ألزم ستالون بمواصلة الصعود الفني، فبات غير مسموح له أن يبدو عادياً أو ضعيفًا.

كتب وأخرج ستالون “روكي 2” عام 1979، وقدم “روكي 3” عام 1982، وفي العام نفسه أدى شخصية جون رامبو في “الدم الأول” (First Blood) الذي أضحى تعبيرًا عن قوة أمريكية تحاول محو هزيمة فيتنام، ثم بلغ ذروته عام 1985 بفيلمي “روكي 4″ و”رامبو: الدم الأول 2”.

المهنة: عضلات

تعامل ستالون مع جسده كأداة مهنية، لكنه وصل إلى حد الهوس بالتدريب. خفض نسبة الدهون إلى نحو 2.6% أثناء إعداد “روكي 3″، وعانى اضطرابًا في الأكل واستخدم المنشطات خلال دوراته التدريبية. تصاعدت منافسته مع أرنولد شوارزنيغر الذي تسابق معه في حجم العضلات وقوة الأدوار الخطرة.

رغم أن المنافسة أفادته مهنيًا، فقد تركت آثارًا جسدية على ستالون، إذ خضع لعمليات جراحية في الظهر والرقبة والكتفين. على الرغم من النجاح والشهرة التي منحها جسده، إلا أنه حصره في أدوار محددة تعتمد على القوة وفرضت عليه محدودية فنية. امتد أثر ذلك إلى حياته الأسرية، حيث أنجب من زوجته الأولى ساشا ابنيه ساج عام 1976 وسيرجيو عام 1979، وشُخص سيرجيو باضطراب طيف التوحد. مثل ساج مع والده في “روكي 5″ و”ضوء النهار” (Daylight)، ثم انتهى زواجه الأول عام 1985 وارتبط لاحقًا بريجيت نيلسن قبل الانفصال عنها خلال أقل من عامين.

التقى بجينيفر فلافين عام 1988، وتزوجها عام 1997 بعد انفصال وعودة، وأنجب منها صوفيا وسيستين وسكارليت. اعترف بأنه وزع وقته بين العمل والأسرة غير بالتساوي، وواجه أقسى خسائره في يوليو 2012 عندما توفي ابنه ساج عن عمر 36 عامًا بسبب مرض في القلب.

في مواجهة فقده، وصف ستالون ابنه بأنه مركز عالمه، وكاد زواجه من فلافين ينهار عام 2022 بعد 25 عامًا من الزواج، لكنهما تصالحا، وقال إن زوجته علمته كيف يحب، وندم على عدم الزواج منها قبل ذلك بسنوات.

غروب شمس البطولة الجسدية

بدأ وهج ستالون يتلاشى في التسعينيات مع تغير ذوق الجمهور وصعود نجوم الحركة الجدد. نجح في أفلام مثل “متسلق الصخور” (Cliffhanger) و”رجل الهدم” (Demolition Man)، لكنه فشل في استعادة مجده القديم من خلال أعمال أخرى.

في فيلم “أرض رجال الشرطة” (Cop Land) عام 1997 جسد دور شرطي هادئ ومتردد، عمل بجانب روبرت دي نيرو وهارفي كيتل وراي ليوتا، وامتاز أداءه بالاعتماد على الصمت بعيدًا عن عضلاته المعتادة، كاشفًا عن ممثل بداخله لم يكن معروفًا من قبل.

ومع ذلك، لم يؤسس هذا الأداء مسارًا دراميًا مستمرًا، وتراجع اسمه مع بداية الألفية الجديدة. اعتُبر هذا التراجع بداية لمرحلة وقف مقاومة الزمن، وأعاد روكي عام 2006 في “روكي بالبوا” (Rocky Balboa) بشخصية أرمل يعيش على الذكريات ويبحث عن مواجهة أخيرة تثبت بقاء بعض الحياة فيه.

تبع ذلك عودة لدور رامبو عام 2008، ثم أطلق ستالون سلسلة “المرتزقة” (The Expendables) عام 2010 التي جمعت نجومًا تجاوزت أعمارهم المرحلة الأكاديمية للفنون القتالية، ومع ذلك، اعترفت السلسلة بنهاية زمن الأدوار التقليدية لمن مثلوا القوة البدنية، ومنحتهم جولة أخيرة يسخرون فيها من أعمارهم وصورهم.

بلغت عودته الفنية ذروتها مع فيلم “كريد” (Creed) عام 2015، حيث تحول روكي إلى مدرب يواجه المرض والوحدة ويساعد ابن أبولو كريد على بدء مسيرته، مما سمح له بأن يجعل الضعف جوهر الأداء. نال ستالون أول جائزة غولدن غلوب في مسيرته، ورُشح لأوسكار أفضل ممثل مساعد بعد 39 عامًا من ترشيحه الأول.

في عام 2022، أطل ستالون على الشاشة الصغيرة بمسلسل “ملك تولسا” (Tulsa King)، مجسدًا رجل مافيا يخرج من السجن ليجد عالمًا تغير كثيرا ولم يعد ينتظره. بلغ الثمانين في يوليو 2026 بالتزامن مع مرور 50 عامًا على فيلم “روكي”، وأصدر في سبتمبر مذكراته المعنونة “الدرجات” (The Steps)، مستعرضًا فيها فصول الفقر والصعود والتضحيات الجسدية والأسرية.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin