د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
مصر

جيل أكتوبر في مصر بين التحديات وظلال الماضي

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

تذكرت المعلمة التي انتشر فيديو لها وهي تعاقب تلميذًا صغيرًا بقسوة، حيث كانت تشده من قدميه، وبعد تسرب الفيديو تم توقيفها من قبل الشرطة، لكن القضية أعمق من ذلك، وتتجاوز مجرد مقارنة الحماية التي توفرها القوانين واللوائح حاليًا والمراقبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، بالممارسات التي عشناها في فصولنا أثناء الطفولة.

كان من المعتاد أن يُعاقب التلاميذ المتعثرين باستخدام أساليب مؤلمة مثل السحب على الأرجل أو استخدام الألفكة أو السوط المشابه لتلك الخاصة بالحيوانات، وكذلك الحبس لفترات إضافية، ولم أتعرض شخصيًا لهذه العقوبات لكنها ذكريات تركت أثرًا كبيرًا في نفسي.

تركيزي في هذا المقال هو على جيلنا الذي أعتبره جيلًا مظلومًا، فقد قضى سنوات دراسته الابتدائية خلال فترة حرب الاستنزاف ثم نكسة 1973، إذ بدأت الدراسة في 29 سبتمبر، ثم تلتها معركة العبور في الأسبوع الثاني من الدراسة، ما أدى إلى غيابنا عن المدارس لمدة أربعة أسابيع، وتحولت المدارس الابتدائية في قريتنا إلى ملاجئ للمهاجرين من منطقة القناة، على أن تعود إحدى المدارس لاستقبال الطلاب بعد فترة، وظل اسم «مدرسة المهاجرين» ملتصقًا بها لأكثر من 53 عامًا.

استعادت الوزارة انتظام الدراسة من خلال تأجير بيوت خاصة وأمكنة حكومية لتكون مدارس مؤقتة، ورغم حالة الارتباك الحالي في إدارة التعليم بسبب نقص الفصول والمعلمين، أقرُّ أن إدارة ملف التعليم كانت أدق وأفضل أثناء فترة الحرب التي تم تخصيص معظم الموارد فيها للجيش.

جيلنا كان مظلومًا أيضًا من ناحية النكهة التعليمية والثقافية، حيث أن الجيل الذي سبقنا تمتع بأجواء الناصرية التي شملت برامج مدرسية متكاملة مثل الرحلات والمسابقات الرياضية والثقافية والأنشطة الاجتماعية، وكان لديهم أزياء موحدة للبنات خلال ممارسة تلك الأنشطة، إضافة إلى متابعة برامج مميزة للأطفال عبر الإعلام الرسمي، والاشتراك في مجلات مثل «سمير» و«ميكي» و«سندباد» إلى جانب سلاسل الكتب التي تقدمها دور النشر الكبيرة، مع وجود مكتبات واضحة في المدارس والفصول.

أما جيلنا فلم يكن لديه فرصة لمثل هذه التفاصيل؛ فالبلاد كانت في حالة حرب، والكهرباء لم تصل لقريتنا حتى نهاية المرحلة الابتدائية، ولم نقرأ مجلات أو روايات موجهة لنا، وهذا سبب حقدًا مضمرًا نحو الأجيال التي جاءت بعدنا، خاصة أولئك الذين تفرغ أهاليهم لشراء الكتب ومتابعة برامج الأطفال التي افتقدناها مثل «ماما نجوى» و«بقلظ» و«سينما الأطفال» و«عمو فؤاد».

بعد انتهاء الحرب وعودة الجنود والمعلمين المنتصرين من الجبهة، لم يكن التعامل النفسي والاجتماعي بينهم سهلاً، وظهرت حالات من القسوة الشديدة ضد التلاميذ، خصوصًا الذين ينتمون إلى أسر بسيطة وضعيفة المستوى، ولم يكن بمقدورهم مواجهة المعلمين القساة أو ردعهم.

أذكر مثالًا لمعلم عاد من الجبهة وكان غاضبًا من العقاب التقليدي كالصفع والمد، فابتكر استخدام سوط مصنوع من نبات التيل ليعاقب الطلاب الذين يحصدون درجات دون النجاح بضربات موجعة، وكان يصنع السوط طوال نصف اليوم الدراسي ويستخدمه في توزيع الدرجات وفرض العقاب.

ومعلم آخر كان يشتري خرزانات قاسية من سوق قريب ويجربها على الطلاب دون مبرر من خلال ضرب أيديهم أكثر من مرة، وما يثير الصدمة أن بعض المعلمات من خريجات مدارس إعداد المعلمات مارسن القسوة والعقاب البدني بأشكال مروعة يمكن أن تصنف ضمن التعذيب.

يمكنني القول إن جيلنا عانى كثيرًا من هذه الممارسات، والعديد من زملائي لديهم قصص مشابهة وربما أكثر قسوة، ولا يمكن الدعوة حاليًا لمحاسبة من ارتكب هذه الأفعال، إذ كانت سائدة في كل مكان، لكن، مهما يكن، يبقى الفضل لمن منع العقاب البدني في المدارس، ولمن يدعو إلى التقييم النفسي والاجتماعي المنتظم للطلاب والمعلمين والعاملين، مع متابعة السلوك العام بدقة.

ولابد كذلك من الاعتراف بدور وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية في تسليط الضوء على هذه الممارسات ومراقبتها.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin