تحقيق بي بي سي يكشف عن مئات التحقيقات العسكرية الإسرائيلية في عمليات قتل دون نتائج معلنة

رصدت وحدة “بي بي سي لتقصي الحقائق” (BBC Verify) 254 حالة اتُهم فيها الجيش الإسرائيلي بقتل أو إصابة أشخاص في غزة ولبنان والضفة الغربية المحتلة وإسرائيل، وأكد الجيش أنه يحقق في هذه الوقائع، إلا أنه لم يعلن عن نتائج هذه التحقيقات للجمهور حتى الآن.
استخدمت الوحدة أدوات ذكاء اصطناعي متطورة لمسح أكثر من 60 ألف تقرير إخباري وفحص مئات الوقائع التي وُجهت فيها اتهامات للجيش الإسرائيلي بالتسبب في أضرار منذ اندلاع الحرب في غزة، وعقب تدقيق يدوي شامل، تبين وجود 300 حالة قال الجيش إنه ينظر فيها، بينما نُشرت نتائج التحقيق في 28 حالة فقط على موقعه الإلكتروني.
كما توجد 18 واقعة إضافية لم يتضح الوضع القانوني للتحقيقات بشأنها، ولم تتلق الوحدة سوى معلومات عن حالتين قيد المراجعة، رغم تواصلها مع الجيش الإسرائيلي مرات عدة.
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي إنه يتعامل بجدية مع أي ادعاء بوجود سلوك قد لا يتوافق مع القانون أو توجيهات الجيش.
وتنوه اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تعمل في مناطق النزاع إلى ضرورة الشفافية في التحقيقات المتعلقة بالانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني، سواء كانت اتهامات جنائية أو غير ذلك.
توزعت تلك الوقائع المسجلة في التقرير على 158 في غزة، و48 بالضفة الغربية، و32 في لبنان، و16 أخرى وقعت داخل إسرائيل أو أثناء احتجاز أشخاص. وتراوحت تواريخها بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و19 أغسطس/آب 2024، وسُجل مقتل شخص واحد على الأقل في أكثر من 200 حادثة منها.
وتعود بعض الوقائع التي لم تُعلن نتائج تحقيقاتها إلى أواخر عام 2023، وكانت من أكثرها دموية حادثة استهداف مبنى مدرسة في غزة أغسطس/آب 2024، التي أودت بحياة ما لا يقل عن 93 شخصاً بينهم ست نساء و11 طفلاً.
الجيش الإسرائيلي عادة ما يرد على اتهامات بالتسبب في أضرار بأنه “ينظر في الأمر” أو “يُراجع” الحالة، وفي أحيان كثيرة يلتزم الصمت بعد ذلك ولا يقدم مزيداً من التفاصيل.
وأُحيلت بعض الوقائع إلى تحقيقات جنائية عسكرية، منها مقتل الطفلة هند رجب (5 أعوام) ومقتل 15 من طواقم الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، حيث وُجهت اتهامات بأنهم استُهدفوا بإطلاق نار كثيف عن قرب.
كيف يحقق الجيش الإسرائيلي في الوقائع
الجيش الإسرائيلي لا يعلن في العادة عن نتائج تحقيقاته العسكرية، حتى عند فتح تحقيقات جنائية ضد جنوده، لكن نشر نتائج بعض التحقيقات المتعلقة برهائن في قطاع غزة يظهر وجود تحقيقات في تلك الحوادث. في حالات أخرى، مثل التي رصدتها بي بي سي، بدأ الجيش في إعلان مراجعات بعد تواصل إعلامي.
في أغسطس/آب 2024، نشر الجيش تقريراً يتضمن تفاصيل تحقيقات داخلية في خمس وقائع بغزة منها مقتل الطفلة هند رجب و15 من طواقم الإسعاف التي تم تحويلها إلى تحقيقات جنائية، بينما لم يجد أساساً لفتح تحقيق جنائي في ثلاثة وقائع أخرى، من بينها مقتل سبعة من عمال منظمة “المطبخ المركزي العالمي” ومقتل أربعة من العاملين في منظمة “أطباء بلا حدود”.
تحقق “آلية تقصي الحقائق والتقييم” التابعة لهيئة الأركان العامة الإسرائيلية في الحوادث العملية الاستثنائية وقد أتمت مراجعة نحو 150 حالة منذ بداية الحرب، وأحالتها إلى النيابة العسكرية دون توضيح طبيعة تلك الحالات.
رغم طلبات متكررة، لم يقدم الجيش تفاصيل أوفر عن وضع التحقيقات في 300 حالة حددتها بي بي سي.
وأوضح الجيش في بيانه أنه ينشر نتائج التحقيقات والمراجعات كلما أمكن ذلك مع مراعاة الجوانب القانونية والعملياتية واعتبارات الخصوصية وأمن المعلومات، كما توجد مراجعات عملياتية على مستوى القيادة تهدف إلى تحديد تسلسل الأحداث واستخلاص الدروس وتحسين الأداء.
وكشف الجيش أنه اتخذ إجراءات تأديبية بحق عشرات الجنود لعدم التزامهم بالمعايير والتوجيهات العسكرية، منها إبعادهم عن المواقع القتالية وعن قوات الاحتياط.
وأظهرت بيانات قدمتها منظمة حقوقية إسرائيلية تدعى “ييش دين”، أن نحو 1456 واقعة من قطاع غزة أُحيلت إلى آلية تقصي الحقائق في هيئة الأركان خلال الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأغسطس/آب 2024، وأنجزت 12 مراجعة وأحيلت للمدعي العام العسكري، وافتتح تحقيق جنائي في اثنتين منها.
وذكر دان أوين، باحث في “ييش دين”، أن الجيش الإسرائيلي غالباً ما يُطيل التحقيقات بهدف أن يفقد الناس اهتمامهم بها.
وأوضحت جانينا ديل، أستاذة القانون الدولي بجامعة أكسفورد، أن اتفاقيات جنيف تلزم كل طرف في النزاع بالتحقيق مع أفراده وربما مقاضاتهم، مؤكدة أهمية إجراء التحقيقات بسرعة وحيادية وبدقة، وهو ما تدعمه اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويرى عيران شامير-بورير، مدير مركز الأمن والديمقراطية بالمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أن التحقيق في ادعاءات خلال نزاعات مسلحة يواجه تحديات نظرًا لتعقيد بيئات القتال، خاصة في مناطق معادية خارج السيطرة، ويشير إلى أن فكرة التحقيق مع الجنود خلال الحرب ليست مقبولة حتى في دول تحترم سيادة القانون.
وشجع شامير-بورير الجيش الإسرائيلي على زيادة الشفافية بشأن التقدم في التحقيقات.
غزة
في أعقاب هجمات حركة حماس في إسرائيل بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي أسفرت عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز 251 رهينة، شن الجيش الإسرائيلي عمليات عسكرية واسعة في قطاع غزة لاستعادة الرهائن والقضاء على حركة حماس.
قتل أكثر من 74 ألف فلسطيني وأُصيب عشرات الآلاف في هجمات إسرائيلية بحسب وزارة الصحة في غزة التي تديرها حركة حماس، وثقت وحدة بي بي سي لتقصي الحقائق مقتل عاملين في فرق الطوارئ وأشخاص حاولوا الوصول للمساعدات الإنسانية بالإضافة إلى تدمير آلاف المباني، ورصدت حوادث سوء سلوك مزعوم من جنود إسرائيليين في السنوات الثلاث الماضية.
في ديسمبر/كانون الأول 2023، قتلت القوات الإسرائيلية امرأتين داخل الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في القطاع، حيث قتل ناهدة خليل بولس أنطون وابنتها سمر كمال أنطون بنيران قناصة داخل حرم كنيسة العائلة المقدسة. الجيش أكد أن الحادثة قيد المراجعة، وأوضح في سبتمبر/أيلول 2025 أنها لا تزال قيد المراجعة من جانب آلية تقصي الحقائق التابعة لهيئة الأركان.
الجيش برر الحادثة بأن قواته كانت تواجه تهديداً من حركة حماس داخل محيط الكنيسة، لكنه أكد استمرار المراجعة الشاملة للحادثة، موضحاً أن الحوادث المعقدة قد تتطلب وقتاً طويلاً لجمع المعلومات والتحقق منها دون الإسراع لاستكمال التحقيقات بسبب الضغوط الزمنية.
هجمات قاتلة على المدارس
من بين الحوادث الدموية التي لا تزال قيد التحقيق في الجيش، استهداف مبنى مدرسة “التابعين” في شرق غزة بغارة جوية في أغسطس/آب 2024، ما أدى إلى مقتل 93 شخصاً بينهم ست نساء و11 طفلاً، عقب ضرب المدرسة ومسجد مجاور خلال وقت صلاة الفجر، وفق بيانات الدفاع المدني في غزة.
كانت المباني تؤوي نازحين فلسطينيين، وأظهرت مقاطع تحقق منها بي بي سي وجود سحابة غبار وسط حرائق صغيرة وأشلاء متناثرة، كما كشفت صور نهارية عن أرضيات ملطخة بالدماء وحطام متناثر وملابس.
خبراء أشارت إلى أن ذخائر الغارة تطابقت مع قنبلة دقيقة التوجيه من طراز “جي بي يو-39” أمريكية الصنع قدمت لإسرائيل، فيما زعم الجيش الإسرائيلي وجود مركز قيادة تسيطر عليه حماس في المبنى، وأن جنوده قتلوا 31 مسلحاً خلال العملية، لكنه أكد بقاء الحادثة قيد المراجعة.
الضفة الغربية
في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ حرب 1967، حيث شُيدت عشرات المستوطنات غير القانونية وفق القانون الدولي، حققت بي بي سي لتقصي الحقائق في حوادث عدة قال الجيش إنه يحقق فيها، منها 50 حالة على الأقل تضم مقتل أو إصابة نساء وأطفال، بعد مقتل أكثر من 1000 فلسطيني على يد القوات الإسرائيلية منذ 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
ومن تلك الحوادث مقتل فتاة تبلغ 16 عاماً تُدعى لجين مصلح في سبتمبر/أيلول 2024 بجنين، بعد إصابتها برصاصة في الرأس أثناء وجودها بمنزلها، حيث زعم الجيش أن قواته ردت على إطلاق نار من مسلحين، وأكد استمرار مراجعة تفاصيل الحادث.
لبنان
في لبنان، رصدت وحدة بي بي سي لتقصي الحقائق ما يقرب من 40 تحقيقاً أجراها الجيش الإسرائيلي عند وقوع أضرار، في أعقاب إطلاق حزب الله صواريخ تجاه إسرائيل دعماً لحركة حماس عقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول، حيث نفذت إسرائيل عمليتي توغل داخل الأراضي اللبنانية أسفرتا عن مقتل أكثر من 4000 شخص، حسب بيانات السلطات الصحية اللبنانية.
من بين التحقيقات، غارة جوية قرب مدينة جبيل بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أسفرت عن مقتل 23 شخصاً بينهم سبعة أطفال وفق وزارة الصحة اللبنانية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف موقع مرتبط بحزب الله، مؤكداً أن الحادث قيد المراجعة.
تحقيقات طويلة
يرى مايكل شميت، أستاذ القانون الدولي بجامعة ريدينغ السابق في العمل مع الجيش الإسرائيلي، أن الدائرة القانونية في الجيش تمثل مرجعية موثوقة في فهم القانون، لكنه أشار إلى أن الادعاء بوقوع انتهاك لا يعني بالضرورة فتح تحقيق شامل، ويدافع عن أسباب قد تمنع إفصاح الجيش عن نتائج التحقيقات أو أسباب عدم فتحها حفاظاً على تفاصيل عملياتية وحساسيات أمنية.
بينما تقول جانينا ديل، أستاذة القانون الدولي ومديرة مشاركة بمعهد أكسفورد للأخلاق والقانون والنزاعات المسلحة، إنه بعد ثلاث سنوات على العمليات كان ينبغي أن تنتهي بعض التحقيقات، وتشير إلى أن تأخير أو عدم التحقيق في انتهاكات موثقة يضعف رواية إسرائيل عن قدرتها على ضمان المساءلة.
المنهجية المتبعة
جمعت وحدة بي بي سي لتقصي الحقائق 61 ألف تقرير إخباري من “بي بي سي نيوز” ووكالة “رويترز” تغطي قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و19 أغسطس/آب 2026، وطوروا محرك بحث بالذكاء الاصطناعي لرصد وقائع قد يكون الجيش الإسرائيلي فتح تحقيقات بشأنها.
تم تحديد نحو 5 آلاف تقرير ثم فحصها يدوياً لاستبعاد غير المستوفي منها، وبقية 1343 تقريراً شملت بعض التكرار وقُسمت حسب توقيت وموقع الأحداث وعدد الضحايا.
بعد استبعاد التقارير المكررة والإكمال والتدقيق البشري، تحققت الوحدة من 300 حالة فريدة مطابقة لمعايير البحث، وشاركوا تفاصيل كل واحدة منها مع الجيش الإسرائيلي لتعليق وتوضيح تقدم التحقيقات، لكنه لم يؤكد انتهاء أي تحقيق.
بحث الفريق أيضاً في الموقع الإلكتروني للجيش باستخدام المحركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ووجد أدلة على إغلاق 28 حالة وإعلان نتائجها، بينما في 18 حالة أخرى لم يتضح إنهاء التحقيقات مع تقديم بعض المعلومات الأولية، كما رصدوا 254 واقعة إضافية قال فيها الجيش إنه يحقق دون إعلان نتائج.
ويُعتقد أن هذا البحث غير شامل لكل التحقيقات الجاري العمل عليها، وقد توجد تحقيقات أخرى لم يتم رصدها في هذا التقرير.





