د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

السعودية تواجه تهديدات صاروخية ومسيرة من 3 اتجاهات وتحديات في التصدي الكامل لها

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

تواجه المملكة العربية السعودية تحدياً كبيراً في تأمين مجالها الجوي، نظراً لاتساع مساحتها وتعدد الاتجاهات التي قد تنشأ منها التهديدات، مما يستوجب توزيع منظومات المراقبة والاعتراض على نطاق واسع مع التركيز على أهمية الأهداف الاستراتيجية المختلفة

تتعقد مهمة الدفاع الجوي السعودية بفعل التهديدات القادمة من ثلاثة محاور رئيسية هي الشرق عبر إيران، والشمال من الأراضي العراقية، والجنوب من المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات الحوثي في اليمن، الأمر الذي يتطلب توزيع القدرات العسكرية على محاور متعددة مع ضمان حماية المنشآت الحيوية والمطارات ومراكز القرار

وتضم منظومة الدفاع الجوي السعودية قدرات عسكرية متعددة مسؤول عنها حماية القوات المسلحة، إلى جانب منظومات دفاع جوي مخصصة لحماية الدولة ومصالحها الحيوية، مع التحدي المتمثل في انتشار المنشآت النفطية والمرافق السيادية والمطارات على مساحة جغرافية واسعة ما يكشف صعوبة تأمين كل المواقع في آن واحد

رغم التطور الذي شهدته القدرات الدفاعية، لا يمكن ضمان اعتراض كل الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة في جميع الظروف، إذ لا توجد منظومة دفاع جوي تضمن صد كل الاعتداءات بدرجة مطلقة، حتى في الدول التي تمتلك شبكات دفاعية متقدمة

تشير التجارب الدولية إلى أن احتمال تسلل بعض المقذوفات يبقى وارداً بسبب خصائص الأسلحة، أساليب الهجوم، عنصر المفاجأة، وتعدد الأهداف في وقت واحد، إذ لم تحل منظومات الدفاع الإسرائيلية، رغم تعدد طبقات الاعتراض لديها، دون وقوع بعض الهجمات

كما أن سقوط صاروخ داخل نطاق منشأة معينة لا يعني بالضرورة فشل منظومة الدفاع الجوي ككل، ولا يلغي أنظمة النجاح في اعتراض عدد كبير من الأهداف الأخرى

ومع ظهور تهديدات جديدة تتطلب تطوير أساليب الرصد والاعتراض باستمرار، باتت الخبرة الميدانية ضرورية لمواجهة تطور أساليب استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وحركاتها المتغيرة

الحوثيون وإيران وحدود المواجهة غير المباشرة

ترتبط الهجمات الانطلاقية من اليمن بالطبيعة غير المباشرة للعلاقة بين الحوثيين وإيران، حيث تعتمد طهران على حلفائها المسلحين في توسيع نطاق الضغط الإقليمي مع تفادي الانخراط المباشر، مستفيدة من انتشار هذه الميليشيات وقدرتها على تهديد أهداف تقع خارج الأراضي الإيرانية

توفر المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات الحوثي لطهران إمكانية تخزين الأسلحة وإطلاق الهجمات، ما يسمح للجانب الإيراني باستخدام الجبهة اليمنية في الضغط على السعودية والملاحة في المنطقة

تستهدف الهجمات السعودية لاعتبارات اقتصادية واستراتيجية تتعلق بدورها في أسواق الطاقة العالمية، إلى جانب بنية تحتية حيوية تشمل مطارات وموانئ وشبكات نقل النفط تتيح استمرار الصادرات عبر مسارات بديلة حال تعطل الطرق التقليدية

ويبرز خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر لتصديره عبر ميناء ينبع، بعيداً عن مضيق هرمز، ما يمنح السعودية قدرة أكبر على مواجهة اضطرابات الملاحة ويشكل عاملاً مهماً في معادلة أمن الطاقة أثناء التصعيد الإقليمي

لا تقتصر التهديدات اليمنية على المجال الجوي للسعودية، بل تمتد إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، حيث يمنح الموقع الجغرافي للجماعات المسيطرة على الساحل اليمني القدرة على تهديد خطوط الشحن، مضافاً إليها بعد بحري للتحديات الأمنية

تُربط توسعة أنشطة الحوثيين باتجاه جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب بحسابات إقليمية أوسع، وتزامن هذه التحركات مع التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وتصريحات لمسؤولين إيرانيين حول حركة الطيران والمطارات في المنطقة، مما يربط بين تصعيد الحوثيين والضغط الإقليمي على السعودية بالتوازي مع المواجهات الإيرانية-الأمريكية

تشير الاتهامات إلى دعم إيران العسكري للحوثيين عبر تزويدهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة وتقنياتها، حيث أثارت تصريحات مسؤولين إيرانيين جدلاً حول حرية الأجواء في المنطقة، ويرى مراقبون أن تحركات الحوثيين تعكس امتداداً للضغط الإقليمي على السعودية في سياق الصراع مع الولايات المتحدة

أكدت السلطات السعودية إسقاط عدد من المقذوفات خلال الأسبوع الماضي، من بينها صاروخان باليستيان استهدفا العاصمة يوم الخميس

يرى نواف عبيد، زميل أول في قسم الدراسات الحربية بجامعة كينغز كوليدج لندن، أن اختراق الدفاعات الجوية السعودية أحياناً أمر متوقع بسبب اتساع مساحة المملكة وامتداد حدودها مع اليمن، مؤكداً أن منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات ستحيان يمر منها مقذوف واحد على الأقل، بينما تحبط عشرات المحاولات الحوثية مقابل كل هجوم ناجح

فولفغانغ بوستاي، محلل متخصص في السياسات الأمنية والدفاعية، اعتبر أن منظومة الدفاع الصاروخي الباليستي السعودية تركزت في الأساس على مواجهة التهديدات الإيرانية، لكنه أشار إلى أن تصاعد هجمات الحوثي يدفع السعودية لتحويل جزء من قدراتها الدفاعية نحو اليمن

تواجه السعودية تحديات مرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية، حيث تعاني، شأنها شأن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، من محدودية مخزون ذخائر منظومتي «باتريوت» و«ثاد»، وقد استهلكت واشنطن وحلفاؤها كميات كبيرة خلال الأشهر الأولى للصراع مع إيران

وفي سبتمبر/أيلول 2026، أفاد تقرير بأن الرياض تواصلت مع دول صديقة لبحث إمكانية نشر منظومات دفاع جوي أو تقديم دعم آخر لمواجهة هجمات الحوثيين

وفق نواف عبيد، تعتمد ترسانة الحوثيين الصاروخية بشكل رئيسي على أسلحة ذات منشأ إيراني مع تكنولوجيا متأثرة بالصين، مع محدودية القدرات المحلية في الابتكار، حيث تتركز صناعتهم في إنتاج صواريخ وطائرات مسيّرة أقل تطوراً

في سبتمبر الماضي، اتهمت قوات الحكومة اليمنية الحوثيين بتلقي دعم من الحرس الثوري الإيراني لتطوير صواريخ كروز جوالة

قدرات الدفاع الجوي السعودي

تعتمد السعودية شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تضم منظومات أمريكية بعيدة ومتوسطة المدى، مع رادارات إنذار مبكر وقدرات لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، مع بروز منظومتي باتريوت PAC-3 وثاد في مواجهة التهديدات الصاروخية، إضافة إلى دور الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة في اكتشاف الأهداف وتوجيه وحدات الاعتراض

لا يغطي امتلاك هذه المنظومات كل الأجواء السعودية ويضمن صد كل التهديدات، فنجاح الاعتراض يتوقف على ارتفاع الهدف وسرعته ومساره وبصمته الرادارية، فضلاً عن عدد الأهداف المتزامنة وتوزيع البطاريات ومخزون الصواريخ

تُعد منظومة «باتريوت» العمود الفقري للدفاع الجوي السعودي، وتضم صواريخ اعتراضية تختلف إمكانياتها حسب النسخ المستخدمة، حيث يبلغ مدى صاروخ PAC-2 GEM-T نحو 160 كيلومتراً ويستخدم لاعتراض الطائرات والصواريخ المجنحة وبعض الصواريخ الباليستية التكتيكية، في حين يقدر مدى صاروخ PAC-3 CRI مع الصواريخ الباليستية بين 15 و20 كيلومتراً مع ارتفاع اعتراض يصل نحو 24 كيلومتراً، وترتفع هذه الأرقام في نسخة PAC-3 MSE إلى نحو 35 كيلومتراً مع ارتفاع يقارب 36 كيلومتراً

بحسب بيانات The Military Balance 2024، يضم المخزون السعودي نحو 108 وحدات إطلاق باتريوت موزعة على ست كتائب، دون توفر بيانات تفصيلية علنية عن توزيع نسخ PAC-2 وPAC-3 بين البطاريات

أما منظومة «ثاد» فتؤمن طبقة اعتراض إضافية للصواريخ الباليستية خلال المرحلة النهائية من مسارها سواء داخل الغلاف الجوي أو خارجه، ويقدر مداها بين 150 و200 كيلومتر حسب طبيعة الهدف وظروف الاشتباك، وتتألف كل بطارية من ست قواذف، كل منها يحمل ثمانية صواريخ اعتراضية أي ما يصل إلى 48 صاروخاً إلى جانب رادار AN/TPY-2 ومركز قيادة وسيطرة

بدأت السعودية نشر منظومات «ثاد» في فبراير 2025، وأشارت تقارير عام 2026 إلى خطة لإنشاء سبعة مواقع للمنظومة، مع توقع استكمال أول أربعة مواقع بنهاية 2026، والمواقع السبعة بحلول أبريل 2028

تشمل الطبقات الأخرى منظومة «آي-هوك» المحسّنة (I-Hawk)، التي يبلغ مدى صواريخها نحو 40 كيلومتراً مع سقف اشتباك قريب من 18 كيلومتراً، حيث كان المخزون السعودي حتى 2024 يضم 16 بطارية مع 128 وحدة إطلاق أو نيران حسب التصنيف، وتوفر هذه المنظومة قدرة مضافة لمواجهة الطائرات والأهداف ضمن نطاقها لكنها لا تضاهي منظومات الاعتراض المخصصة لصواريخ الباليستية

في الدفاع القصير المدى تستخدم السعودية منظومات «شاهين» و«كروتال» لحماية القوات والمنشآت الحيوية، حيث يتراوح مدى صواريخ «شاهين» بين 12 و15 كيلومتراً والارتفاع الاشتباكي نحو 6 كيلومترات، فيما يتراوح مدى «كروتال» بين 10 و16 كيلومتراً بحسب النسخة مستخدمة لحماية أقرب للنطاق

تضم شبكة الدفاع النقطي السعودية أيضاً منظومات «أفنجر» التي تستخدم صواريخ «ستينغر» الأمريكية، إلى جانب صواريخ «ميسترال» الفرنسية ومدافع مضادة للطائرات منها المدفع الذاتي الحركة M163 Vulcan عيار 20 ملم ومدافع Oerlikon عيار 35 ملم، حيث شمل المخزون نحو 400 منصة أفنجر، و90 مدفع M163، و128 مدفع Oerlikon بحسب بيانات 2024

تعتمد منظومة الدفاع على الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة لربط الطبقات المختلفة واكتشاف الأهداف وتتبعها وتحديد المنظومة الأنسب للاعتراض، مع تعزيز القدرات عبر تجهيزات مثل منظومة RapidRanger التي تستخدم صواريخ Starstreak ورادار Ground Master 200 للدفاع القصير المدى

تواجه السعودية تحدياً في التعامل مع الهجمات المركبة التي تجمع صواريخ باليستية وكروز وطائرات مسيّرة منخفضة الارتفاع، حيث لا يساوي مدى الصاروخ الاعتراضي بالضرورة مسافة إسقاط الهدف بسبب عوامل مثل ارتفاع الهدف وسرعته ومساره، وقدرة الرادار على اكتشافه، إضافة إلى وقت اتخاذ القرار، ويشكل إطلاق أعداد كبيرة من الأهداف في وقت متقارب ضغطاً على أنظمة الرصد والتتبع ومخزون الصواريخ الاعتراضية

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin