احتجاجات عواصم أوروبا تتصاعد وسط تساؤلات عن احتمال انطلاق ربيع أوروبي موحد

لا تمثل التظاهرات المتزامنة في القارة الأوروبية ثورة موحدة ذات قيادة مركزية، بل تعكس موجات تعبئة متفرقة تتقاطع عند شعور مشترك بضيق شروط المعيشة وغياب الاستقلال والإنصاف، مما يضع الحكومات أمام اختبار حقيقي لمدى قدرة مؤسساتها على تحويل الوعود الدستورية إلى أمان ملموس واستجابة سياسية فعالة.
على مدار الأسابيع الماضية، توزعت الحركات الشعبية والطلابية المتصاعدة بين ثانويات باريس، وعقارات مدريد، وساحات التجنيد في برلين، ومنصات المساءلة القضائية في شرق أوروبا، مع اختلاف في أسبابها وأدواتها وأطرافها بحسب السياقات المحلية لكل دولة.
تشير دراسة أكاديمية حول تحولات الحراك المدني الأوروبي إلى أن السنوات الأخيرة لم تشهد تصاعدًا خطيًا مستمرًا، بل اندفاعات ظرفية مرتبطة بالأزمات وتنوعًا واسعًا في المشاركين والمطالب، محذرة من الافتراض المسبق بأن جميع هذه التحركات تقدمية بطبيعتها أو منتظمة عبر القنوات الحزبية والسياسية التقليدية، ما يحفز فهمًا موضوعيًا لخريطة التعبئة بعيدًا عن خلط السياقات الوطنية.
ضغوط المعيشة وخلفيات الاحتجاجات في العواصم الأوروبية
تشير المؤشرات الاجتماعية إلى جذور هذا التزامن في الميداني؛ فقد كشف مسح حديث للمفوضية الأوروبية ضمن استطلاع “يوروباروميتر” أن 41% من الشباب يعتبرون تكلفة المعيشة الهاجس الأكبر لمستقبلهم، تليها أزمة السكن وفرص العمل والأمان الوظيفي بنسبة 23% لكل منهما.
في الوقت ذاته، أعرب نحو 65% عن رضاهم عن أداء الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي، مما ينفي سيناريو الانقلاب على النظام الديمقراطي ويؤكد رغبة الشباب في مؤسسات أكثر مرونة واستجابة للمتطلبات الحياتية.
تعزز بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” هذا الضغط الاقتصادي المتصاعد، إذ سجلت أسعار المنازل في دول الاتحاد ارتفاعًا بنسبة 53% على الصعيد الإجمالي، بينما ارتفعت الإيجارات بنسبة 25% خلال الفترة من 2010 إلى 2024، مما يعكس اتساع رقعة الاحتقان السكني ضمن سياق أوروبي شامل مع احتفاظ الخصوصية المحلية.
حراك المدارس وأبعاد الاحتجاجات في العواصم الأوروبية
انطلقت التعبئة في فرنسا من ثانويات ضواحي باريس المحرومة احتجاجًا على نقص المعلمين البدلاء، واكتظاظ الصفوف، وتدهور البنى المدرسية، إضافة إلى غموض آليات القبول الجامعي عبر نظام “باركورساب”، ثم توسعت بعد ذلك لتشمل مدنًا كبرى بمشاركة الكوادر التعليمية، والطلاب، وأولياء الأمور، والنقابات، حيث رفع المحتجون شعار رفض ربط جودة التعليم بالموقع السكني وفق وكالة “رويترز”.
وترصد البيانات تباينًا في أعداد المشاركين حسب الجهة الراصدة وتواريخ التظاهر؛ إذ وثقت وزارة الداخلية الفرنسية مشاركة 71,500 شخص في تحركات 8 أكتوبر، منهم 24,500 في باريس، فيما أوردت منصة “بوليتيكو” تقدير الشرطة في 6 أكتوبر بـ256,000 مشارك مقابل 450,000 حسب المنظمين.
ولا يقتصر الغضب في فرنسا على نقص الميزانية، فوفقاً لـ”رويترز” تم زيادة مخصصات التعليم بنسبة 1.7% وهي أقل من معدل التضخم، بينما أشارت “بي بي سي”، استنادًا إلى بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن الإنفاق الفرنسي لكل طالب في المرحلة الثانوية العليا يفوق متوسط الاتحاد الأوروبي، مع وجود عجز في عدد المدرسين ومقابل أجور منخفض نسبيًا، ما يشير إلى أن جوهر النزاع يتعلق بعدالة توزيع الموارد، وتحسين البيئة المدرسية، وسد الشواغر الحقيقية.
سياسيًا، يواجه الاختبار تحدي السلوك الأمني مع تسجيل اشتباكات وأعمال تخريب في مواقع محددة إلى جانب مظاهرات سلمية أخرى، فيما كشف استطلاع لمعهد “إيلاب” في فرنسا أن 72% من المواطنين يعتبرون مطالب الطلاب مشروعة، بينما دعا 55% إلى وقف التظاهرات، مما يعكس تباينًا بين تأييد المطالب ورفض أساليب التعطيل الميداني.
أزمة السكن ورمزية الاحتجاجات في العواصم الأوروبية
في إسبانيا، أصبح ملف العقارات عنصرًا أساسيًا للاحتجاجات إثر قضية إخلاء السيدة ماريكارمن أباسكال البالغة من العمر 87 عامًا، لتتحول إلى رمز لمعاناة المستأجرين؛ شهدت مدريد في 3 أكتوبر تجمعًا قدرته “نقابة المستأجرين” بنحو نصف مليون متظاهر، في حين قدرت الحكومة العدد بـ70,000.
ويُبرز الواقع الاجتماعي دعمًا واسعًا للمطالب، حيث كشف استطلاع “مركز البحوث الاجتماعية الإسباني” تأييد 76.3% للتدخل الحكومي لضبط سوق الإيجارات، وتأكيد 79% أولوية الحق في السكن على التعامل العقاري كسلعة، وفق “رويترز”.
بعد تعثر تمرير القوانين الإسكانية العاجلة، دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في 29 نوفمبر، وسط انتقادات متساوية من المتظاهرين تجاه الحكومة والمعارضة لاحتمال استغلال قضيتهم لأهداف حزبية.
ورأى “المركز الأوروبي للسياسات” أن الأزمة قد تؤدي إلى انقسام سياسي بين المستأجرين ومالكي العقارات المؤجرة إذا استمر التنظيم الشعبي، بينما رصدت “بوليتيكو” تحركات إسكانية مماثلة في مدن أوروبية عدة دون وجود قيادة مركزية عبر الحدود.
قضايا التجنيد والمساءلة ضمن الاحتجاجات في العواصم الأوروبية
تتنوع المطالب في العواصم وفق الضغوط المحلية؛ ففي دبلن، تظاهر أكثر من 1,500 طالب، وبلغ العدد 3,000 عند احتساب الإضرابات الجزئية حسب اتحاد الطلاب، احتجاجًا على الرسوم الجامعية وتكاليف السكن والمعيشة.
في بروكسل، شارك الطلاب والمدرسون في احتجاجات ضد تقليص موازنات التعليم، بينما شهدت ألمانيا إضرابات مدرسية استهدفت النقاشات حول إعادة فرض التجنيد الإلزامي، رغم أن التشريع الحالي يعتمد الخدمة التطوعية، ولا يعيد التجنيد الإجباري إلا بقرار سياسي في حال نقص المتطوعين، وفق هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.
على المستوى القاري، نظمت منظمة “أكليد” أكثر من 550 فعالية احتجاجية في 12 دولة خلال يناير الماضي رفضًا لاتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول “ميركوسور”، مسجلة أكبر تحرك منسق ضد سياسة تجارية أوروبية موحدة.
وفي ملفات الشفافية ومكافحة الفساد، شهدت بوخارست مظاهرة شارك فيها 10 آلاف شخص، ووقع مئات القضاة والادعاء رسالة تندد بالاختلالات البنيوية في القضاء الروماني، تلتها احتجاجات في صوفيا أدت إلى سحب مشروع الموازنة واستقالة الحكومة البلغارية، في حين خرج عشرات الآلاف في أثينا بمناسبة ذكرى كارثة قطار “تيمبي” للمطالبة بمحاسبة المسؤولين، بحسب مراسلي “رويترز”.
وفي صربيا، تحوّل الحراك الطلابي الذي أعقب انهيار سقف محطة “نوفي ساد” ومقتل 16 شخصًا من مطالبة بتحقيق إلى تأسيس قائمة انتخابية رسمية لخوض انتخابات 25 أكتوبر، في محاولة للانتقال من الضغط الشعبي إلى العمل النيابي، وفق شبكة “بلقان إنسايت”.
اختبار المؤسسات ومستقبل الاحتجاجات في العواصم الأوروبية
لا توحد هذه الحركات برنامجًا أيديولوجيًا موحدًا، لكنها جميعًا تخضع لاختبار قدرة المؤسسات العامة على الوفاء بمهامها الأساسية، المتمثلة في ضمان جودة التعليم، وحماية حق المستأجرين في السكن، ومساءلة المسؤولين عن القرارات الأمنية وشبهات الفساد.
وتشير المراجعات إلى أن توسع دور الطلاب والنقابات يعزز الضغط في الشارع، لكنه لا يضمن استمرارية التنظيم أو تحقيق المطالب دون تحوّل إلى إصلاحات تنظيمية وتشريعية فعالة، مع التحذير من مخاطر الاتجاه الرسمي نحو الاستجابة الأمنية أو الحزبية التي قد تعالج مظاهر الغضب الظرفية دون معالجة أسبابه الهيكلية العميقة.





