د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

إيران تعيد تقييم قدرتها على الردع بعد مرور ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

بعد الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تحدث المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي عن تغيير في المعادلات الإقليمية، متوقعاً أن يجبر ذلك أعداء الجمهورية الإسلامية على الاعتراف بالواقع الجديد لـ “محور المقاومة”. من وجهة نظره، جاء الهجوم المعروف باسم “عملية طوفان الأقصى” بمثابة خطوة نحو إعادة توزيع موازين القوى في المنطقة، رغم التحديات التي واجهت هذه التوقعات لاحقاً.

لمواكبة هذه التطورات، وسعت إيران من نطاق استخدام قدراتها العسكرية مستفيدة من موقعها الجغرافي، حيث أصبحت الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرة على تعطيل طرق التجارة الإقليمية أدوات أساسية في محاولات طهران فرض تكاليف مرتفعة على خصومها.

على الرغم من استمرار دور الجماعات الحليفة في هذه المعادلة، إلا أن الشكوك ازدادت بشأن الأدوار التي يمكنها أن تلعبها، فضلاً عن التكاليف التي قد تتكبدها مقابل ذلك.

بالتالي، يتساءل المراقبون عن كيفية حدوث هذا التحول في أولويات إيران وأدوات نفوذها، وعن أسباب تراجع الثقة في مفهوم “العمق الاستراتيجي” لصالح مساعٍ تعيد بناء القدرة على الردع داخلياً في ظل استمرار الحرب.

عندما وصلت الحرب إلى داخل الحدود

قبل السابع من أكتوبر، شكّلت العلاقات العسكرية التي تربط إيران بجماعات مسلحة إقليمية جزءاً من استراتيجية وصفتها طهران بأنها صمام أمان للبلاد. كان وجود “حزب الله” على حدود إسرائيل إلى جانب جماعات حليفة في العراق وحلفاء إقليميين آخرين يعني لأي خصم أن المواجهة مع طهران قد تتصاعد إلى حرب متعددة الجبهات، فيما لعبت سوريا دوراً محورياً في ربط هذه الجماعات الجغرافياً.

استندت هذه الاستراتيجية إلى جعل قدرات الحلفاء العسكريين عقبة أمام أي هجوم مباشر على الأراضي الإيرانية، في ظل استعداد الجمهورية الإسلامية لمجابهة خصوم يفوقونها تقليدياً في القوة الجوية والأسلحة التقليدية، عبر تطوير صواريخ وطائرات مسيرة وأدوات حروب غير متكافئة ونقل بعض منها إلى الحلفاء، ما خلق علاقة ارتباط بين القدرات الإيرانية وحضورها الإقليمي.

ووفقاً لحميد رضا عزيزي، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، شكل “محور المقاومة” عمقاً استراتيجياً لإيران، إذ سمح لها بأن تحدد مسرح الصراع بعيداً عن حدودها مباشرة، مع هدف إدخال العدو في مواجهة غير مباشرة وعرقلة وصوله المباشر إلى إيران. كما ساهم هذا النهج في خوض صراعات في المنطقة الرمادية، مما أتاح لإيران درجة من الغموض والتحكم في مستوى الرد عبر حلفائها، مخففاً من احتمالات توسع المواجهة.

التحول لم يبدأ في 7 أكتوبر، بل بالهجوم الإسرائيلي المباشر على إيران

مع استمرار الحرب في غزة وتوسع الهجمات الإسرائيلية، تعرضت معالم الترتيبات السابقة لتراجع تدريجي، فضعف حماس وحزب الله قلّص قدرات حليفين إيرانيين أساسيين، في حين أسفر سقوط حكومة الأسد عن فقدان موطئ قدم إيراني في سوريا كان يلعب دوراً رئيسياً في الربط بين مناطق النفوذ الإيرانية في لبنان والعراق، ما مثل ضربة لعمق “محور المقاومة”.

ويوضح عزيزي أن خسارة الحلفاء وفقدان الاتصالات الجغرافية المترابطة شكّلا عمليات متداخلة أدت إلى تآكل العمق الاستراتيجي لإيران.

أما مايكل يونغ، محرر منصة “ديوان” وكبير المحررين في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، فيؤكد أن التغيير الفعلي في سلوك طهران بدأ حين تحولت إسرائيل لمهاجمة إيران مباشرة، واشتملت هذه الاستراتيجية على استهداف الصواريخ الإيرانية لإسرائيل، ما أظهر اعتماداً أكبر من الإيرانيين على قدراتهم الردعية الذاتية.

وقال يونغ في حديث إلى بي بي سي فارسي إن الهجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق في أبريل 2024 وما تلاه من تبادل هجمات مباشرة، كان جزءاً من هذا السيناريو. كما كشفت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025 والتصعيد الذي أعقبها عن قصور في الاستراتيجية التي كانت تهدف إلى إبعاد الحرب عن الأراضي الإيرانية.

وبينما تؤثر عدة عوامل سياسية وعسكرية على تطور النزاع، يبدو واضحاً أن الاعتماد على قدرات الجماعات الإقليمية لم يتمكن من تحقيق الهدف المتمثل في إبقاء الحرب بعيدة عن الأراضي الإيرانية.

زيادة الاعتماد على الصواريخ والموقع الجغرافي

مع تصاعد المواجهات المباشرة، اتجهت طهران إلى الاعتماد بشكل أكثر وضوحاً على أدوات تخضع لسيطرة قواتها المسلحة، مبنية على الصواريخ والطائرات المسيرة، فضلاً عن استثمارها لموقعها الجغرافي، لا سيما مضيق هرمز، بهدف التأثير في حسابات الخصوم ورفع تكاليف الحرب.

وقد أدت سلسلة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي ضربت إسرائيل وقواعد أمريكية، إلى توسيع نطاق الحرب خارج مناطق الاشتباك التقليدية، وشملت تهديدات حركة التجارة البحرية، ما أثار قلق الحكومات والشركات التي لم تكن طرفاً في النزاع.

ويرى عزيزي أن “محور المقاومة” أصبح جزءاً مكملاً لاستراتيجية إيران التي تعتمد على الردع بالعقاب، مستندة إلى الصواريخ والموقع الجغرافي، بحيث تعزز الجماعات الحليفة ضمن هذا المحور التأثير الإيراني على الخصوم وساحة العمليات بعد الحصول على دعم أو موافقة ضمنية من إيران.

ومع ذلك، لا يعني هذا التخلي عن الروابط مع الجماعات الحليفة، بل جاء ضمن تغيير نسبي في أوزان عناصر الاستراتيجية.

وقد برز مضيق هرمز كأداة رئيسية جديدة ترفع من قدرة إيران على فرض تكاليف عالية على خصومها، حيث عزز تفعيل تهديدات إعاقة حركة الملاحة مكانة المضيق كأداة أمنية استراتيجية، وأدى تعطيل الحركة إلى رفع تكاليف الحماية وتأثير القرارات المرتبطة بسياسة الأمن لدى شركات الملاحة وشراء النفط.

في هذا السياق، أشار بيرند كاوسلر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جيمس ماديسون، إلى أن سيناريوهات متعددة تناولت زرع الألغام في المضيق وإبطاء إزالة هذه الألغام، كما أوضح قدرة إيران على استخدام طائرات مسيرة منخفضة التكلفة وبمعدل استهلاك مرتفع لنشر حالة من الرعب لدى شركات الشحن لتجنب المخاطرة.

ويرى بعض المحللين أن السلوك الإيراني يعكس تحوّلاً في تقييم المخاطر، حيث بات الاعتقاد سائدًا في طهران بأن الحذر والردود المحدودة لا تكفي لردع الخصم، وبالتالي أصبح التهديد قوياً وذا مصداقية فقط بوجود استعداد فعلي لتنفيذه.

ويُبرز مايكل يونغ أن جوهر الردع الإيراني اليوم يرتكز على القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، إضافة إلى القدرة على إغلاق مضيق هرمز، مشيراً إلى أن إيران باتت تشارك بشكل مباشر في صياغة وتنفيذ استراتيجيتها للردع، دون أن يلغي ذلك دور القوى الحليفة الإقليمية.

وهذا التوسع في الاعتماد على القدرات المحلية يحمل نتيجتين متزامنتين، إذ يعزز الاستقلالية العسكرية الإيرانية في الرد، لكنه يعرض البلاد بشكل مباشر لتبعات المواجهة، إذ قد تصبح القدرات ذاتها أهدافاً لهجمات معاكسة.

كما شكّل استهداف القادة العسكريين الإيرانيين جانباً جديداً من النزاع، إذ أظهر أن طهران لا تزال تحتفظ بالقدرة على الرد من داخل أراضيها حتى بعد مثل هذه الضربات، مما يشير إلى بقاء جزء من القدرات العملياتية سليماً.

وأوضح كاوسلر أن الهيكلية اللامركزية لقيادة الحرس الثوري أتاحتها ممارسة استقلالية اتخاذ القرارات ومواصلة العمليات حتى بعد فقدان قادة كبار، بمن فيهم المرشد الأعلى.

مع ذلك، تثير الضربات الناجحة تساؤلات حول ثغرات في القدرات الاستخباراتية وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، كما تحوم شكوك حول مدى قدرة طهران على حماية أراضيها وقادتها ومسؤوليها ومواطنيها أمام هجمات محتملة مستقبلاً.

حلفاء بأدوار مختلفة وتكاليف باهظة

تتغير طبيعة دور القوات المسلحة الإيرانية في الصراع بالتوازي مع تطوّر العلاقات مع الجماعات الإقليمية، إذ تسعى طهران إلى استعادة مهارات الشبكة الحليفة من خلال تعميق التعاون مع جماعات أصغر خصوصاً في العراق، وتنظيم بعض الكيانات الأكبر إلى خلايا أصغر وأكثر مرونة.

ويشير عزيزي إلى أن هذا التعديل يمكن طهران من الحفاظ على القدرة الميدانية حتى بعد التعرض لضربات كبيرة، إلا أن تنفيذ عمليات متناثرة لا يعادل قدرة التهديد المنسق والواسع، إذ تتأثر أنشطة هذه الجماعات بأوضاعها الداخلية، ومصادر دعمها، والضغوط التي تمارسها الدول المضيفة.

كما ازداد التركيز الجغرافي لمناطق النشاط الحليفة نحو العراق واليمن والبحر الأحمر بدلاً من التمدد السابق إلى بلاد الشام وحوض المتوسط.

وعلى سبيل المثال، بات الحوثيون يحتلون موقعاً محورياً يشبه مكانة حزب الله قبل 7 أكتوبر، بفرق أن الحوثيين يتمتعون باستقلالية أكبر وبتحكّم أقل من طهران، ما يخفف من نفوذ الجمهورية الإسلامية على أقرب حلفائها الحاليين.

يرتبط نشاط الحوثيين في مضيق باب المندب بأجندتهم المحلية والصراعات الإقليمية، ولا يمكن عزو جميع قراراتهم إلى طهران، كما أن الجماعات الإيرانية في العراق منخرطة في صراعات سياسية داخلية إلى جانب أدوارها الخارجية.

ويرى يونغ أن توسيع نشاط الحوثيين قد يؤدي إلى زيادة الضغط على خصوم إيران في اليمن، لكنه يحمل في الوقت نفسه تكاليف مرتفعة عليهم للحفاظ على مواقعهم.

في لبنان، تعكس ارتفاع تكاليف المشاركة في الصراع واقع حزب الله والمجتمع الذي يشكل قاعدته الشعبية، فحسب يونغ فإن الدخول في حرب عام 2026 خلف عواقب كبيرة للحزب والطائفة الشيعية التي يرتكز عليها.

كما يشير إلى أن حركة “أنصار الله” تسعى لتحقيق مصالح محلية في اليمن ولا يمكن فهم علاقتها بطهران كوكلاء فقط، إذ تختلف ظروف التحديات والمجالات التي تواجهها في كل بلد.

ويتوقع عزيزي أنه إذا انسحبت إيران من الحرب، فقد تحاول إعادة بناء وتفعيل شبكتها الحليفة، لكن هيكلتها ووظيفتها قد تختلف عن السابق، ويتوقف نجاح هذا التوجه على الظروف الداخلية في البلدان التي تنشط فيها هذه الجماعات.

ما نوع الأمن الذي يوفره هذا التغيير لإيران

جانب آخر من المعادلة يرتبط بوضع دول الخليج المجاورة التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، والتي باتت أهدافاً لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة إيرانية، ما قد يؤثر على ترتيبات الأمن الإقليمية وتفاعلها مع الأمن الإيراني نفسه.

ويعتقد كاوسلر أن بعض دول الخليج قد تتجه إلى التهدئة أو التوافق مع طهران، قائلاً إن وجود القواعد العسكرية الأمريكية كان يرمي إلى دور ردع، لكنه أيضاً مهد لتوجيه ضربات انتقامية من إيران، مع احتمال تقارب دول صغيرة بالمنطقة مع طهران رغم استمرار حالة الحرب.

إلا أن هذه التهديدات قد تدفع هذه الدول لتعزيز تعاونها العسكري ورفع قدرتها على مواجهة طهران، مما يعني أن قدرة إيران على فرض تكاليف مرتفعة قد تعزز الانخراط معها والحوار، لكنها في الوقت ذاته قد تزيد من عزلتها وتتسبب في أزمات متكررة.

وفي ظل ذلك، ركزت إيران على تعزيز علاقاتها مع حلفائها الدوليين، وحصلت على دعم محدود من روسيا والصين خلال هذه الفترة.

ويصرح يونغ بأن طهران تمتلك أدوات دبلوماسية إلى جانب قدراتها العسكرية، وتسعى لتوسيع علاقاتها مع موسكو وبكين لأجل توفير غطاء دبلوماسي، مؤكداً أن حركتها لا تقتصر على القوة الصاروخية والتحالفات الإقليمية فحسب.

مع ذلك، لا تضمن هذه العلاقات تدخلاً عسكرياً مباشراً للدفاع عن إيران.

في الملف النووي، قد تؤدي تجربة الحرب إلى مواقف متباينة، فاحتمال تعرض إيران لهجوم قد يعطي وزنًا أكبر لتيارات تطالب بتشديد الموقف أو تطوير أسلحة نووية، بينما تدفع اعتبارات إعادة الإعمار ومخاطر الضربات وخفض الضغط الاقتصادي نحو الحفاظ على الوضع السابق القائم على الامتناع.

ورغم عدم وضوح قرار حاسم سواء باستمرار عدم التسلح النووي أو التصنيع، تشير بعض المؤشرات إلى تصاعد الأصوات الداعية علناً لتطوير أسلحة نووية داخل المشهد السياسي الإيراني.

وبعد مرور ثلاث سنوات على أحداث 7 أكتوبر، بدا واضحاً أن التغير في طريقة توظيف إيران لأدوات نفوذها جاء أكثر وضوحاً من النتائج النهائية لهذا التحول.

سعت طهران إلى تعويض الأضرار التي لحقت بعمقها الاستراتيجي الإقليمي من خلال تحمل أعباء أكبر في المواجهة ورفع تكاليف الحرب إلى ساحات لا يمكن فيها للولايات المتحدة وإسرائيل ضمان حماية كاملة، إلا أن إيران لا تزال تواجه قيوداً تحول دون تحقيق أمن مستدام.

وتبقى هذه القيود غير قابلة للحل بمجرد إطلاق الصواريخ أو تهديد الملاحة، إذ يعتمد مصير هذه السياسة على عدة عوامل منها الحفاظ على الموارد، وإعادة بناء العلاقات الإقليمية، وإرساء ترتيبات تحد من تجدد المواجهات.

ومن الدروس المستفادة أن توسيع شبكة القوات الحليفة وتعزيز قدراتها لم ينجح في إبعاد شبح الحرب عن الأراضي الإيرانية، مع بقاء شكوك كبيرة حول قدرة هذا النهج الجديد على منع تكرار الصراعات داخل البلاد.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin